الآن
الرئيسية / رأي / موقاومة مومانعة

موقاومة مومانعة

غير بعيد عن قصر المهاجرين الذي يحتله بشار ابن حافظ أسد ويقيم فيه إلى
حين انتهاء عقده مع سيديه الروسي والإيراني، وانتهاء عمله في تدمير سوريا وتهجير
شعبها، يقع مبنى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، ويفصل بين المكانين قرابة عشر دقائق
بالسيارة ليس أكثر. هناك في ذلك المبنى الكبير، الذي يتربع مطلاً على ساحة
الأمويين، يعيش العاملون على كلمتين فقط لم يتعلموا سواهما، وهاتان الكلمتان تشكل قاموساً
غنياً مليئاً بالمرادفات. الكلمتان هما المقاومة والممانعة، واللتان كثر
استعمالهما في الأيام الأخيرة بشكل غريب جداً، بالتزامن مع الأنباء التي تقول إن
روسيا، حامية عصابة الأسد، تقوم بالتنسيق مع إسرائيل في عملياتها العسكرية داخل
الأراضي السورية. قبل ذلك بأيام، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتيناهو،
موسكو، والتقى يوتين وقالت الأخبار إن حديثهما كله كان عن التدخل الروسي في سوريا.
طبعاً هذان الخبران لا يعنيان محور المقاومة والممانعة نظراً لانشغال المحور
المذكور بالتصدي للمؤامرة الكونية التي تستهدف النيل من الوطن، والتي تخدم إسرائيل
بالدرجة الأولى. للمعلومة فقط، فإن إسرائيل لم تعد وفقاً لهذا الإعلام عدواً، هي
لم تكن عدواً أصلاً، ولعل الجميع يتذكرون كلام رامي مخلوف في الأيام الأولى لبدء
الثورة، حين قال إن أمن إسرائيل مرتبط بأمن سوريا. لا أريد هنا الحديث عن
الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية وعدم رد النظام عليها، فهذه مسرحية
هزلية سخيفة، المهم أن القائمين على الإعلام أنفسهم يرون في الاحتلال الروسي
لسوريا نصراً لمحورهم ضد سطوة “الشيطان الأكبر”، أي أمريكا التي تريد
الهيمنة على العالم وتحطيم الصحوة النضالية التي ستقود إلى تحرير كامل التراب
المحتل، يعني نظرية جمال عبد الناصر نفسها، من البحر إلى النهر، كيف ومتى وأين لا
أحد يعلم، ولا يريد أحد أن يعرف، المهم هو استمرار حالة الاستغباء والاستحمار
للجمهور، وكل شيء في وقته حلو، ربما بعد ألف سنة أو ألفين. ولنعد إلى روسيا وجيشها
البطل الذي جاء ليقهر جيوش الاحتلال السوري ويقتل السوريين ويعيد الأرض لأصحابها
الإيرانيين، الذين بدأت هزيمتهم تأخذ أشكالاً وألواناً متعددة، ولم يعودوا قادرين
لا من خلال المرتزقة الذين قاموا باستجلابهم من كل أقطار الأرض، ولا من خلال
قادتها العسكرية الذين بدأوا يتساقطون واحداً واحداً، ولم يكن آخرهم حسين همداني،
طبعاً دون أن ننسى التوابيت الملفوفة براية حزب الله التي لم تعد مقابر مستوطنة
الضاحية الجنوبية قادرة على استيعابها، إذ لا يكاد يمر يوم دون أن تتلقى أم جنوبية
خبر مقتل ولدها، وربما ترى صورته على إحدى الصفحات الثورية وقد كتب على الصورة تم
الدعس، وسوف لن يطول الأمر كثيراً قبل أن تبدأ النساء الروسيات برؤية صور أولادهن
أيضاً. هذا ليس كلاماً مجانياً، وليس شعارات لرفع المعنويات المرتفعة أصلاً، لكنها
حقيقة يدركها الجميع، فكل احتلال مصيره إلى زوال مهما طال الزمن أو قصر، فكيف إذا
ترافقت حرب التحرير الشعبية بثورة رائعة مدهشة كالثورة السورية؟

عَودٌ على بدء، أقول إن إعلام عصابة الأسد تحديداً يعيش حالة ليست مذكورة
من قبل في أي من كتب التلفيق والتزوير، ربما لا ينافسه في ذلك إلا الإعلام المصري
في تسويقه هو الآخر للاحتلال الروسي، ولعل الجميع تابعوا فضيحة أحمد موسى مقدم
برنامج على مسؤوليتي في قناة صدى البلد المصرية، وكيف استعان بلعبة فيديو ليقنع
مشاهديه أن القوة الروسية مخيفة، أما إعلام بيت الأسد فحدث ولا حرج، هناك يتحدثون
عن انتصار المقاومة، تصوروا، المقاومة في تعريفهم البسيط أن تستجلب محتلين إلى البلاد
وتسلمها لهم، أولاً إيران، ثم روسيا وإيران، ثم انضمت الصين وكوبا وربما كوريا
الشمالية، هؤلاء جميعهم محور مقاومة وممانعة، يعتز بهم حسن زميرة بلحيته البغيضة
وصوته القميء، ويتفاخر بهم ابن حافظ أسد بغبائه الذي لا حدود له، ويباركهما
الخامنئي بطبيعة الحال، وهو الذي يحلم بأن يرى علم دولته يرفرف في دمشق كما رفرف
في بغداد عبر عملائه الذين، وللمعلومة فقط، يتحدثون أيضاً عن المقاومة والممانعة،
وكان المفروض أن يرفرف في اليمن بعد أن احتل عاصمتها المرتزقة الحوثيون، لكن
المقادير جعلت اليمن مجاوراً للسعودية فلم يهنأ الخامنئي بحلمه طويلاً.

أن ترى محتلاً روسياً يقيم معسكراً لقواته فوق أرض سوريا، ويتصرف كما لو
كان مندوباً سامياً، ويبحث عن طرق أكثر نجاعة لتدمير ما يمكن تدميره، وقتل ما يمكن
قتله، أن ترى كل هذا وبعدها تخرج على الإعلام لتقول إن قواتك المسلحة قد انتصرت،
فهذا يعني أنك بلا شرف وبلا أخلاق… هذا يعني أنك مقاوم وممانع.

ثائر الزعزوع

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

two × 2 =