الآن
الرئيسية / رأي / ماذا وراء لاءات تركيا؟

ماذا وراء لاءات تركيا؟

عبد
القادر عبد اللي

بدأت
الطائرات الروسية عملياتها في سورية باستهداف النفوذ التركي في هذا البلد تحديداً،
فكانت أولى الضربات لوحدات تركمانية دربتها تركيا، بحسب تصريحات رسمية تركية،
واختراقات عديدة للمجال الجوي التركي، وتحرش بالطائرات التركية التي تقوم بأعمال
المراقبة على الحدود، ووصل الأمر إلى منع قصف الطائرات الأمريكية لمواقع داعش
انطلاقاً من تركيا. إضافة إلى ذلك، مارست روسيا ضغوطاً شديدة على تركيا في قضايا
تعتبر حياتية بالنسبة إلى روسيا، وليس بالنسبة إلى تركيا، ورفضت روسيا بيع تركيا
صفقة غاز كبرى على الرغم من الحاجة الروسية إلى هكذا صفقة.

إثر
الاحتجاجات التركية لدى وزارة الخارجية الروسية لم تخفِ روسيا نيتها، فقد أعلنت
وبشكل رسمي بأنها تريد من تركيا أن تقبل التنسيق والتعاون معها في عملياتها التي
تخوضها على الأراضي السورية، واقترحت على أنقرة إرسال فريق عسكري تركي فني لزيارة
موسكو من أجل البحث في تفاصيل التنسيق والتعاون، ولكن أنقرة قالت: “لا!”.
شددت روسيا من حملتها في سورية، وضربت الجيش الحر، ومستودعات أسلحته، وزادت من
التحرشات، وأرسلت طائرة صغيرة دون طيار تعبر الحدود مع تركيا كنوع من الرسالة في
الوقت الذي كان هناك وفد عسكري روسي يزور تركيا، ويجتمع مع كبار ضباط الأركان
العامة التركية، وبعد الاجتماع أعلنت الأركان العامة التركية بأن طائرة الاستطلاع
أسقطت، وأن الاجتماع مع الوفد الروسي لم يؤد إلى نتيجة، وهكذا قالت تركيا مرة
أخرى: “لا للتعاون أو التنسيق مع روسيا!”. وعلى الرغم من إنكار روسيا
للطائرة التي أُسقطت، ولكن الثابت أن الطائرة روسية، ولكنها بالمحصلة مجرد رسالة.

بالتزامن
مع زيارة الوفد العسكري الروسي، جاء عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، إلى
تركيا، وقابل رئيس الجمهورية، وعقد معه اجتماعاً. وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده
بعد الاجتماع مع وزير الخارجية التركي، أعلن أنه تناول المستجدات على الساحة
السورية، وصرّح بأن الموقف السعودي والتركي من النظام السوري مازال كما هو. بمعنى
آخر، لم يصدر شيء ملموس من هذه الزيارة التي أحيطت بالصمت أيضاً. إثر هذه الزيارة،
بدأت تتسرب أخبار و”تحليلات سياسية” باحتمال أن تقوم السعودية وتركيا
بعملية خرق للفيتو الإسرائيلي-الأمريكي على إعطاء مضادات جوية للمعارضة السورية.

بالطبع
هذه الأخبار لم تعد تلقى اهتماماً، وتكاد تكون نوعاً من الهذيان الصحفي لكثرة ما
تناولها الصحفيون، ولكن الجديد هذه المرة هو أخذ روسيا هذه الأخبار على محمل الجد،
وتصريح نائب وزير الخارجية الروسي لشؤون الإرهاب الذي يحذر السعودية من تزويد المعارضة
السورية بمضادات طيران “دقيقة” تحاول شراءها من باكستان، واحتفاء صحف
“الممانعة” بهذه التحذيرات، وتسميتها تهديدات. هل هذه التصريحات هي
تخوّف روسي حقيقي؟

تركيا
صامتة تقريباً، وصحفها أيضاً تنهج النهج نفسه. وبما أن تسعين بالمائة من الصحافة
التركية معارضة للحكومة، فالصمت جاء تلقائياً وطوعياً من هذه الصحف، فهي تدعي
الدفاع عن “العلمانية”، وتعتبر الإمام الفقيه القائد العام للعلمانية
العالمية، وروسيا علمانية، وتخوض حربها ضد “تطرف ديني”، فليس من صالحها
أن تتناقض مع نفسها، وتقطع رزقها القادم من الخمس الإيراني من أجل نشر أخبار الحرب
المقدسة التي أعلنتها الكنيسة الروسية، وأخبار تشكيل الكتائب الصليبية، وأخبار
التنسيق الإسرائيلي الروسي في سورية… والصحف التركية الموالية للحكومة أيضاً
ملتزمة الصمت في هذه المواضيع، ويبدو أنه الصمت الحذر، وعادة في السياسة ما يخيف هو
الصمت أكثر من الكلام. فالجعجعة غالباً ما تكون دون طحين، ولنا في جعجعة الخطوط
الحمر خير مثال.

رفضت
تركيا عروضاً روسية كثيرة، واكتفت ببيان مقتضب أصدرته قيادة الأركان على موقعها
الإلكتروني بأنه لم يتم التوصل إلى اتفاق حول التنسيق مع الروس.

الجعجعة
هذه المرة تصدر عن روسيا، وجعجعتها تعطي طحيناً، فهي تقصف الجيش الحر والكتائب الإسلامية
التي تقاتل النظام، وتتجنب قدر المستطاع قصف داعش. وإذا كانت قد فشلت حتى الآن
بتحقيق تقدم ملموس على الجبهات التي تقاتل فيها كتائب الجيش الحر والكتائب
الإسلامية، فهناك أخبار تقول إنها تحقق تقدماً ملموساً على الجبهة مع داعش، وهذا
مثير جداً، فروسيا بحاجة ماسة إلى هذا التقدم لكي تثبت أنها تحارب داعش، وداعش
أيضاً بحاجة لتقديم هذا الانتصار لروسيا، لأن روسيا تتجنب قصف مواقع داعش.
بالنتيجة فإن روسيا تخوض حرباً عسكرية وسياسية، وتستخدم الجميع.

تركيا
رفضت العروض الروسية، أو التهديدات الروسية. كل هذه اللاءات والصمت الذي تلتزم به
الأطراف، وخاصة تركيا يوحي بأن شيئاً ما في الأفق، ليس بالضرورة أن يكون إيجابياً
فالاحتمالات كلها واردة، ولكن يبدو أن قضية تسليح المعارضة السورية بسلاح
“يهدد” الطيران الروسي أو جزءاً منه، هو الاحتمال الوحيد الذي تريده
وتتخوف منه في آن واحد، وخاصة إذا لم يكن “التحذير” الروسي في الفترة
الأخيرة عبثياً مثله مثل الخطوط الحمر الشهيرة…

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × two =