الآن
الرئيسية / رأي / كل ما اتفقوا عليه أن يتفقوا

كل ما اتفقوا عليه أن يتفقوا

عبد القادر عبد
اللي

أهم ما نتج عن اجتماع
فينّا الرباعي بين وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وتركيا، هو صدق
التصريحات على الرغم من تناقضها. فكل من الأطراف قال رؤيته لهذه المفاوضات. فوزير
الخارجية الأمريكية كيري كان صادقاً عندما قال: “لقد حققنا تقدماً
كبيراً”، وهنا يشير إلى أن الولايات المتحدة موافقة على “جزء كبير”
من الخطة الروسية، وهي مسرورة من التدخل الروسي في سورية، كما كانت مسرورة من
التدخل الإيراني، على الرغم مما تثيره بين فترة وأخرى حول هذه التدخلات. ولكن وزيري
الخارجية التركي والسعودي أدليا بتصريح شبه متطابق: “إن مصير الأسد مازال
موضوع خلاف”.

وهذا يعني أن أي تقدم
لم يحصل على عكس ما أدلى به وزير الخارجية الأمريكي، وهما أيضاً صادقان، لأنه هل
كان ثمة خلاف بين الأطرف قبل اجتماع الرباعية غير قضية مصير الأسد؟ أين التقدم
إذاً؟ وزير الخارجية الروسي كان أكثر وضوحاً: “انتخابات تشريعية، ورئاسية في
سورية”. لم يحدد الوزير الروسي الجهة التي تشرف على تلك الانتخابات، والمناطق
التي ستجري فيها تلك الانتخابات، ومن الواضح أنه يصر على إشراف الأسد، وأجهزته
الأمنية، على تلك التي تسميها الخارجية الروسية انتخابات. ولكن المجموعة قررت
توسيع أطراف الاجتماع، والاستمرار ببذل الجهد، وهذا أيضاً تصريح صادق، ويدل على أن
هناك كثير من القضايا الخلافية مازالت قائمة.

هذا يذكرنا بالرؤى التي
طرحها قبل فترة رئيس الجمهورية التركية، حول عقد اجتماع ضيق، ثم توسيعه من بعض
الجهات الإقليمية، ثم توسيعه ليأخذ طابعاً دولياً، أي أن الاجتماعات كانت مقررة
سلفاً، ويعرف الجميع أنهم لن يستطيعوا التوصل إلى قرار. بمعنى آخر، يمكن أن تدخل
قطر والأردن وإيران في التوسعة الأولى التي تشمل قوى عديدة من المنطقة، ثم يتحول
الأمر لدخول بعض القوى الأوربية مثل فرنسا وإنكلترا… ولكن هل سيتم التوصل إلى
حل؟ إذا أردنا أن نكون واقعيين، فالحل مازال بعيد المنال بالنسبة إلى تركيا
والسعودية والنظام السوري…

وزير الخارجية السعودي
قال “الحل السياسي هو مطلبنا منذ البداية”. عبارة فضفاضة لا تعني شيئاً
تقريباً. فمن هو الذي سيلتزم بالحل؟ الموقف التركي يرى القضية من منظور آخر. ومن
ناحية أخرى لا تعكس تصريحات رئيس الجمهورية التركية من مدينة عينتاب أي أمل، لأنه
تحدث عن واقع جديد يُحاول فرضه في الشمال السوري، وإن تركيا تحاول أن تحظى بالدعم
لرؤاها حول أمنها القومي المهدد من هذا الواقع الجديد، وإنها مازالت بعيدة عن
الحصول على هذا الدعم، ولكنها في النهاية ستضطر لاتخاذ إجراءات من طرف واحد فيما
إذا لم تحظَ بهذا الدعم.

على الرغم من عدم توضيح
رئيس الجمهورية التركية الأمور، فهو يقصد انزياح حزب العمال الكردستاني إلى شمال
سورية، ومحاولته تأسيس سلطة على طول هذه الحدود. فهذه القضية تعتبرها السلطات
التركية تهديداً لأمنها القومي.

من جهة أخرى، كانت
تصريحات عمر تشليك، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية، أكثر وضوحاً، فهو يرى أن أي
اتفاق بين المعارضين السوريين والنظام على مرحلة انتقالية بقيادة الأسد حتى وإن
كانت صلاحياته محدودة، لن يكتب لها النجاح. ومهما عكس هذا الأمر رغبة تركية، فإنه
يعكس واقعاً على الأرض لا يمكن إنكاره.

سيقول قائل إن جنوب
أفريقيا شهدت نضالاً حاداً بين السود والبيض، ثم انتهى أخيراً بحل سياسي، فلماذا
لا تكون سورية نموذجاً آخر لحل من هذا النوع؟

ليس هناك واقع في دولة
ما يتطابق مع واقع آخر، وظروف الحرب في جنوب أفريقيا تتشابه في بعض الجوانب مع
ظروف سورية، ولكنها تختلف في كثير من الجوانب أيضاً. أهم هذه الخلافات هي المصالح
الإقليمية والدور الإيراني في المنطقة، وهكذا فإن الحل المقترح في سورية لا يمكن
أن يتخذ من جنوب أفريقيا نموذجاً.

بمعنى آخر، لم يقدّم
المتحاورون في فينا ما هو مقنع حول الحل. فروسيا متمسكة بموقفها، وتحاول تسويقه
نيابة عن النظام السوري وإيران. ولكن الحل الروسي المطروح نيابة عن النظام السوري
وإيران يتناقض جوهرياً مع المصالح القومية لكل من السعودية وتركيا، وهما لا ينكران
بأن موقفهما في جانبه الأكبر ينبع من مصلحتهما القومية. فالسعودية لا يمكن أن تقبل
باستمرار النفوذ الإيراني في سورية، وتركيا لا يمكن أن تقبل بنفوذ لحزب العمال
الكردستاني يمتد على الشمال السوري كله، وقطع تواصلها البري مع الجنوب.

صحيح أن الجميع منشغل
بما نُشر على أنه المشروع الروسي للحل، ولكن هذا المشروع فيه من الثغرات ما يكفي
لتدميره فوراً. أي من الأفضل قراءة ما سمته الشرق الأوسط “مشروع الحل”
على أنه مجرد أفكار قابلة للمناقشة. وعند الدخول في التفاصيل، ستُغرِق إيران
وروسيا العالم بتلك التفاصيل، فالمدرسة الإسرائيلية في التفاوض أصبحت النموذج
المفضل لهذا الطرف. أي أن التفاصيل ستبقى محط نقاش إلى أن يستمر تدمير سورية، ووقف
إطلاق النار لا يمكن أن يتحقق، والسبيل الوحيد إليه هو فرضه، ولكن ما هي القوة
التي ستفرضه؟

نعم، لقد اتفقت
الرباعية في فينيا، ولكن ما الذي اتفقت عليه؟ ليس ثمة ما هو ملموس، وكل ما يمكن أن
يقال، إن هذه الرباعية اتفقت على أن تتفق… على ماذا؟ هذا أيضاً لا يعرفه حتى
المجتمعون هناك.

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 − 1 =