الآن
الرئيسية / رأي / عن الجيش “أبو شحاطة”

عن الجيش “أبو شحاطة”

ثائر الزعزوع

عام 1995 كتب عليّ كما كتب على ملايين الشباب السوريين من قبلي ومن بعدي،
أن أساق إلى الخدمة الإلزامية، فتوقفت حياتي وقتها توقفاً شبه كامل، وتحولتُ إلى
كائن جوال أمضي نصف أيامي على الطريق، ألاحق الميكروباصات بين حمص ودمشق. تم فرزي
إلى مدرسة الرياضة في منطقة الوعر في حمص بسبب واسطة كبيرة من أحد الأصدقاء. وهناك،
وبسبب صديقي نفسه، تعرفت على عقيد “بطنه كبيرة” يمكن أن يرتشي بعلبة
سجائر مهما كان ثمنها أو نوعها، وكنت مستعداً لدفع هذه الرشوة من أجل الحصول على
إجازة تبعدني عن ذلك المكان السخيف الذي وجدت نفسي فيه، ومن خلال علب السجائر
والمتة أحياناً، توطدت علاقتي بالعقيد حسن وعرفت منه أنه كان من “أبطال”
حرب تشرين، وقد عرض أمامي مجموعة من صوره مفتخراً، وهو يدس في جيبه علبة الحمراء
الطويلة التي قدمتها له. بعد ذلك تم فرزي إلى كلية الحرب الكيميائية في حمص أيضاً،
طبعاً باعتباري مدرباً رياضياً، وكان مطلوباً مني أن أرافق طلاب الضباط المستجدين
في دروس الرياضة الصباحية، وبعد ذلك لا يكون أمامي شيء لأفعله. لم يمر شهر على
وجودي هناك حتى تعرفت بأحد مدراء الكلية، وهو عميد ركن، وهذه المرة كان من
“أبطال” حرب لبنان، لكن ثمنه كان أغلى من صاحبه العقيد حسن، فقد طلب مني
أن أدرس أولاده وألا أجيء إلى الكلية إلا وقتما يحلو لي. وفعلاً، أمضيت فترة
الخدمة هكذا، وكان العشرات من أصدقائي قد مرّوا بظروف مشابهة لكن التكلفة كانت
تختلف من مكان إلى آخر، وكان بعضهم يضطر لدفع قرابة الألف ليرة شهرياً، وأحياناً
يصل المبلغ إلى ألفين أو ثلاثة، وكان هذا مبلغاً لا بأس به في فترة التسعينات. كان
جميع الضباط دون استثناء، يبحثون عمن يمكن أن يفيش ويدفع، ويركزون أكثر على أبناء
محافظتي دمشق وحلب، وهذا واقع يعرفه جميع السوريين.

حين بدأت الثورة، كان واضحاً منذ البداية، أن رأس العصابة قرر مواجهتها
بالنار، وقد قال في خطاب مبكر له إنها حرب وإنه مستعد لها. لم تكن هذه النار سوى
الجيش الذي يعرف هو أكثر من أي أحد آخر، أنه جيش فاشل، بعد أن عمل هو ومن قبله
أبوه، على تدمير بنيته وتجريده من قدراته وتحويله إلى مكان للاسترزاق، شأنه شأن أي
مؤسسة أخرى في سوريا، ولذلك فكان لا بد من إخراج عناصر المخابرات أولئك المدربين
جيداً، ووضعهم في مواجهة الناس، فهؤلاء لديهم إخلاص أكيد للنظام الذي قام بتصنيعهم
وتغذيتهم، وكانوا يديرون شبكات الفساد والدعارة والتهريب، ليحصلوا على مكتسبات
إضافية، فخرج أولئك القتلة والجلادون الذين كانوا يقبعون في الأقبية المظلمة تحت
الأرض، وارتدوا الزي العسكري، وتحولوا إلى جيش الوطن كما بات يطلق عليهم. لكن لم
يتم الزج بهم في ساحات القتال البعيدة حرصاً من النظام على بقائهم قريبين منه
لحمايته، فانتشروا على الحواجز في دمشق، وبدأ الإعلاء من شأن الجيش إعلامياً يأخذ
طابعاً فانتازياً حقاً، فصار الجيش أهم من الشعب، بل إن جيش سوريا هو الوطن، كما
قال مرة أحد مسؤولي النظام، ولا يمانع كاتب أو أكثر من الكتاب الذين يعملون تحت
عباءة النظام من انتقاد الحكومة وأداء وزير الخارجية مثلاً، لكنهم لا يجرؤون على
الاقتراب من الجيش، الذي يقولون إنه جيش مقدس، رغم أن الكثيرين منهم، وأنا متأكد
من ذلك، كانوا قد دفعوا الرشاوى أو استخدموا “واسطات ثقيلة” كيلا يخدموا
في هذه المؤسسة الغبية، التي لا تقدم ولا تؤخر.

مع توسع رقعة الثورة والهزائم المتلاحقة التي تكبدتها كتائب الأسد مع
حلفائها من ميلشيات لبنانية وعراقية وأفغانية، لم يكن مستغرباً أن نرى تلك الصور
التي رأيناها في ريف إدلب لعشرات الجنود وهم يفرون من ساحة المعركة مخلفين أسلحتهم
وراءهم، فهذا هو الجيش، ببساطة، هؤلاء هم المقاتلون الذين لم يتلقوا تدريبات
عسكرية، لا يعرفون أصلاً ما الذي يعنيه القتال، فالجيش بالنسبة لهم هو منفى مدته
عامان، وال1ي يحاولون التخلص منه بالرشوة وإلا فلا بد من إنهائه، لذلك انشق عشرات
الآلاف ولم يتحولوا ليكونوا مع الثورة، ولم يبق إلا من هو غير قادر على الانشقاق،
أو الفرار. وأما عناصر المخابرات، والذين قتل منهم عشرات الآلاف منذ بدء الثورة،
فلم يعد أي منهم يستحق أكثر من “عنزة” تعويضاً عن موته، فهم قد قبضوا
الثمن سلفاً وسرقوا و”عفشوا” كما يحلوا لهم. فأي رهان يراهنه الأحمق
بوتين على قوات النظام لتنتصر براً؟ ألم تزوده أجهزة مخابراته بأية معلومات عن هذا
الجيش الفاشل؟ على كل حال كان يوم التاو في حماة مشهوداً، وثمة أيام كثيرة مقبلة
يا بوتين. قال جيش الوطن قال!!

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 4 =