الآن
الرئيسية / محليات / صدى البلد / عصبيّة الآباء… بين المبررات وطرائق التحكم

عصبيّة الآباء… بين المبررات وطرائق التحكم

صدى الشام

ازدادت ضغوط الحياة بشكل كبير على الآباء والأمهات
السوريين خلال السنوات الماضية. ظروف الحرب خلفت بدورها أعباء قاسية تتعدى في كثير
من الأحيان قدرة تحملنا كبشر، فمن كان طبعه في السابق عصبياً بات غاضباً على
الدوام. يجعل هذا الكثير من الآباء والأمهات سريعي الغضب في التعامل مع أبنائهم،
يضربونهم عند أي غلطة صغيرة أو كبيرة، ويحملونهم مسؤوليات تفوق أعمارهم ويحاسبونهم
بالضرب والتعنيف.

عند سؤال معظم الآباء “المعنّفين” عن سبب تعنيف
أطفالهم يجيبون أنهم سريعو الانفعال والغضب أو عصبيّون. يعتقد معظمهم أن هذا
“طبع” من طباعهم، وهو غير قابل للتغيير. يقولون أن “الطبع يغلب
التطبع”، ويرون أن على الآخرين التأقلم على هذا الطبع، بمن فيهم أبناؤهم
وبناتهم.

ألا تبرر كل هذه الضغوط المعيشية للآباء ضرب
أبنائهم؟

أولاً، إذا كانت هذه النسبة الهائلة من الآباء والأمهات تعاني
من هذه المشكلة، فهذا معناه أن معظم البشر عصبيون، وأنهم بالتأكيد سينجبون أبناء عصبيين،
وستتحول البشرية بأكملها للضرب والانفعال، وهو ماقد يتطور الى حروب وكوارث. ثانياً،
يعاني أطفالنا تبعات الحروب والظروف المعيشية مثلنا، فلماذا يتوجب عليهم أن
يتحملوا تبعات غضبنا أيضاً، ألا يجدر بالآباء، ونعني “المعنّفين لأطفالهم”،
أن يكونوا الحضن الآمن في الوقت الذي يعجز فيه هذا العالم عن توفيره لهم؟ ثالثاً،
هل نسيت يوماً المصاعب التي تعرضت لها في طفولتك؟ الطفولة تكون شخصية كل إنسان في
الكبر وتحكم تصرفاته. قد تستطيع الحفاظ على سيطرتك على طفلك اليوم، لكن التعنيف
سيجعلك تخسره معنوياً في المستقبل.

مرحلة الطفولة هي المرحلة الأهم في تكون الشخصية،
والأكثر تأثيرا في الشكل العام لطبيعة الشخص مستقبل ونوعيةتصرفاته. قد تستطيع الحفاظ
على سيطرتك على طفلك اليوم، لكن التعنيف سيجعلك تخسره معنوياً في المستقبل.

هل يمكن للعصبي التحكم بعصبيته؟

التحكم بالغضب والانفعال هو “سلوك” و”خلق”
يمكن للإنسان السيطرة عليه، وبالتالي فإن أي شخص يستطيع السيطرة على انفعالاته
بدرجة معقولة، ربما لا تصل لنسبة مائة بالمائة لأننا بشر، ولكن يمكن أن تصل لدرجة
جيدة جداً تجعل علاقته بأبنائه وبمن حوله، ناجحة ومنتجة. بالتالي لا داعي لاستخدام
“شماعة” الطبع، وينبغي على كل شخص عصبي أن يعترف، ببساطة، أنه بحاجة إلى
أن يبذل جهداً أكبر في تربية نفسه حتى يستطيع تربية أبنائه. لانتحدث هنا عن الغضب
العابر الذي يحدث لنا جميعا كبشر، بين الحين والآخر، إنما عن العصبية كسمةٍلسلوك
بعض الأشخاص.

كيف يصنف علم النفس هذه الممارسات؟

كثير ما يستبيح الإنسان لنفسه الانفعال، ويرىأنه ضحية
“للضغوط”، فلا يضع خطة لتربية نفسه أو تهذيبها، بل يتركها ويفرغ غضبه
فيمن حوله. وعندما يمارس الأب أو الأم هذه العصبية مع أبنائه بالتحديد، فإن هذا
يسمى في علم النفس “إزاحة”، وهي من أشهر آليات الدفاع النفسي وأشدها
دناءة. ومعنى “الإزاحة” هو أن يفرغ الإنسان ضغوطه على الطرف الأضعف، فهو
لا يستطيع أن يفعل ذلك مع المدير أو مع الأشخاص ذوي السلطة عليه، فيفعل ذلك مع
ابنه. والحل هنا هو أن “يدرك” دناءة ما يفعل، وُيذكر نفسه كلما وقف أمام
ابنه أن هذا الابن “إنسان” متساوٍ في الكرامة الإنسانية مع
“المدير”، بل هو أحق بالرحمة والاحترام من المدير، لأنه في رقبتك
ومسؤوليتك، وأي انحراف يصيبه بسبب عصبيّتك ستكون أنت المسؤول عنه أمام الله.

تذكّر دائما أن ابنك هو “إنسان” متساوٍ في الكرامة الإنسانية مع
“المدير”، أو أي صاحب سلطة عليك، بل هو أحق بالرحمة والاحترام منهم.

أليس من واجب الآباء تربية أبنائهم بحزم؟

من المسموح لنا الحزم ورفع الصوت أحيانا، ولكن بشرط أن يكون
هذا “باختيارنا وتحت سيطرتنا”، وليس اندفاعاً وراء شحنة غضب بداخلنا أو
تنفيساً عن ضغوطنا في وجوههم. كلمة السر هنا هي”السيطرة”؛ أنت قررت وبكامل
إرادتك، أن ترفع صوتك هنا، أو قررت بكامل إرادتك، أن تتغافل هذا المرة، أو قررت
وأنت في كامل وعيك أن تكتفي بنظرة حازمة. أنت هنا المسيطر وليس غضبك، والعبرة أيضا
بأن يكون الانفعال متناسباً مع الخطأ وليس مع حالتك النفسية.

كيف نخفف من وطأة الضغوط؟

أحد أهم أسباب الضغوط هو القلق الدائم. الآباء القلقون يحتاجون
إلى التخفيف من القلق، وإلى أن يتحلوا بالكثير من السكينة، لأن هذا القلق -ببساطة-
لن يغير من القدر شيئا! سيجعلنا فقط مصدر نكد لأبنائنا من دون فائدة. فلنأخذ
بالأسباب ما استطعنا، ولنهدأ.أما من يبحثون عن المثالية والكمال في حياتهم،
فهم دائما متذمرون وساخطون وغاضبون مع أبنائهم. تذكروا دائما أننا بشر وأن أبناءنا
بشر، وأننا في حاجة للكثير من التغافل والرحمة والشفقة والرضا في هذا العالم.

شاهد أيضاً

مسؤول في النظام السوري يعترف بمقتل وجرح 600 عنصر بمعارك السويداء

اعترف مسؤول في حكومة النظام السوري السبت، بمقتل وجرح أكثر من 600 عنصر لها خلال …

عشرات التظاهرات شمال سورية دعماً للدفاع المدني

تظاهر عشرات آلاف السوريين في شمال سورية، اليوم الجمعة، تحت شعار “روسيا تقتلنا والدفاع المدني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five × 4 =