الآن
الرئيسية / تحقيقات / شبح عدم الاعتراف بشهادات الجامعات السورية يهدّد مصيرها

شبح عدم الاعتراف بشهادات الجامعات السورية يهدّد مصيرها

“يخيم شبح عدم الاعتراف بشهادات الجامعات السورية على رؤوس الطلبة،
في ظل المراسيم التي تصدر من قبل رئيس النظام بين الفينة والأخرى، والتزوير الحاصل
إن بالتعاون مع موظفين من داخل وزارة التعليم
، أو عن طريق
شبكات تزوير أخرى. في حين أهملت الوزارة مشاريع البحث العلمي وألزمت الطلبة في سوق
العمل شروطاً لا توجد في قوائم اليونيسكو، لتحتل الجامعة السورية، العامة منها والخاصة،
مرتبة متدنية جداً، وليكون الولاء والانتماء للنظام هو المعيار للنجاح لا الكفاءة”

صلاح الدين محمود

لا يعبأ محمد غزلان برسوبه في مواد السنة الرابعة في قسم اللغة العربية بكلية
الآداب، قائلاً: “الله يخليلنا مراسيم سياتو”. محمد يعيش عامه العاشر في
الجامعة التي لم يتخرج منها حتى الآن، ويعتقد أن المراسيم التي يصدرها رأس النظام،
تساعد الطلاب في تجاوز صعوبات الجامعة، وترفع مستوى التعليم في سورية. حال محمد لا
يختلف عن حال مالك، الذي ما زال طالبا في الجامعة منذ 12 عاما، ضمن نظام التعليم المفتوح،
وهو لا زال يتنظر تخرجه بعد أن أسعفته المراسيم.

تضم “جامعة دمشق” نحو 100 ألف طالب من جميع الأقسام، ومن يرى هذا
العدد يعتقد أن الجامعة ترفد البلد بكوادر تؤسس لنهضة كبيرة في المجال العلمي، لكن
هذا الكم لا ينتج أي نوعية، سواء تعليميا أو في جودة الشهادة السورية. يرافق ذلك غياب
مقاييس البحث العلمي والإنفاق عليه، وترتيب دولي سيء للجامعات السورية.

ومن هذا المنطلق، يناقش التحقيق التالي لـ “صدى الشام” واقع التعليم الجامعي
في مناطق سيطرة النظام بسورية، وسبب تراجع الشهادة الجامعية، والخوف من عدم الاعتراف
بها مستقبلاً، وإلقاء الضوء على ما يحصل من عمليات تزوير، ودور المراسيم في إضعاف قيمة
الشهادة الجامعية.
تدمير ممنهج للتعليم الجامعي

استطاع نظام الأسد بعد ما يقارب الخمسة أعوام من الحرب على الشعب، الإجهاز
على كل مفاصل الدولة، من الجرائم ما كان ظاهراً للعلن من تدمير مباشر، ومنها ما خفيت
آثاره المباشرة، لكن نتائجه بعد أن تضع الحرب أوزارها، ستكون أعظم وستضرب أجيالاً قادمة.
ولعل أهم الجرائم ذات الأثر المديد، تدمير قطاع التعليم الجامعي، لكن ليس عن طريق الدبابات
أو البراميل بل بفضل المراسيم الرئاسية. فمنذ بداية الثورة وحتى الآن، لم يمر عام دون
إصدار الأسد الابن مراسيم تسمح للطلاب المستنفذين في الجامعة إكمال دراستهم. ويدعي
النظام في ذلك أنه يساعد الطلاب على التخرج من الجامعة ضمن ظروف الحرب، ويرد على هذا
الزعم أحد كوادر كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه:
“قد يظن البعض أن هذه المراسيم غير مسؤولة عن تردي الوضع التعليمي، لكن العكس
هو الصحيح، فهي تحمل كامل المسؤولية بالإجهاز على ما تبقى من سمعة دولية لشهادات التعليم
الجامعي السوري، وذلك للقضاء على آمال من غادر البلد مرغماً لإكمال دراسته، أو الاستفادة
من شهادته في العمل في بلد آخر”.

تحمل مراسيم لإعادة المستنفذين إلى الجامعة كامل المسؤولية بالإجهاز
على ما تبقى من سمعة دولية لشهادات التعليم الجامعي السوري

لم يكن قطاع التعليم بعيداً عن مساوئ النظام الفاسد، فعدا عن الشكاوى التي
كانت تطاله سابقاً في “عصر الرخاء”، كما يسميه أنصار الأسد، طفت على السطح
مؤخراً، مشاكل جديدة جاءت نتيجة بعض القرارات التي اتخذتها “وزارة التعليم العالي”،
والتي وصفها بعض المختصين بأنها ثغرات قد تستخدمها بعض الجهات الدولية، ومنها
“اليونسكو”، كي تهدد بسحب الاعتراف بالجامعات السورية، وبالتالي ضياع قيمة
الشهادات الجامعية.

قد تؤدي بعض قرارات “وزارة التعليم العالي” إلى
سحب “اليونسكو” الاعتراف بشهادات الجامعات السورية

وفي هذا المجال، أكد المدرس في كلية التربية “محمد المصري”، اسم
مستعار، أنه “إن لم يتدارك القائمون على المعارضة السورية تلك الثغرات، ويعملوا
على سدها مع الجهات الدولية المختصة وصاحبة العلاقة، فقد يؤول الوضع إلى ما لا تُحمد
عقباه”، مطالباً باتخاذ التدابير اللازمة للحؤول دون وصول اليونسكو إلى سحب الاعتراف
بالجامعات السورية، ومنها أن تمارس المعارضة ضغطا على اليونسكو لتجبر النظام على وضع
معايير تحفظ للشهادة العلمية مكانتها.

في حين يرى الناشط محمد عبد ربه، أنه “من أكثر الأمور خطورة، التوجه
نحو إصدار المراسيم بغية تخريج أكبر عدد ممكن من الطلاب، وبالتالي تضاؤل فرصهم في الحصول
على تأجيل الخدمة الإلزامية”، وهذا ما تؤكده أعداد الخريجين التي تضاعفت بعد أن
انشغل الجانب العراقي في حروبه مع “داعش”، وتوقف عن تصدير الميليشيات الطائفية
للقتال إلى جانب النظام.

وزارة لا تثق بجامعاتها!

يتابع عبد ربه قائلاً: “التوجه نحو زيادة عدد الجامعات الخاصة، وعدم
زيادة المقاعد بالجامعات الحكومية، سيؤدي إلى توجه الطلاب إلى التعليم الخاص، للحصول
على تأجيل خدمة العلم، وبالتالي ستظهر مجدداً مشكلة الفحص الوطني، وتعديل الشهادات.
وهذا كله يخالف اللوائح الداخلية لليونسكو، من حيث عدد الجامعات الخاصة مقارنة بعدد
الجامعات الحكومية، التي يتم احتسابها مقارنة مع الدخل السنوي للفرد، إضافة إلى الناتج
القومي لبلد معين”.

وبحسب المصري، “يواجه الطلبة مشكلة كبيرة في معادلة الشهادة، وثغرات سلبية ممثلة
بـ”الفحص الوطني”، الذي يخضع له طلاب الكليات الطبية العامة والخاصة منذ
2010، والذي سيطبق على كليات أخرى قريباً، حيث يعتبر النجاح في الامتحان الوطني شرطا
أساسيا لدخول خريجي الجامعات السورية الخاصة والعامة من كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان،
سوق العمل والانتساب لنقاباتهم، وهذا مؤشر على عدم اعتراف الوزارة بشهادات جامعاتها”.

ويضيف أن “هذا يقلل من الثقة بشهادة الجامعات السورية العامة خارج
سوريا، فالمعايير الدولية لا تشترط ذلك الامتحان، إلا أن وزارة التعليم العالي أصدرت
هذا القرار وكأنها غير واثقة بالشهادة الجامعية التي تصدرها الجامعات التابعة لها،
وهو ما قد يكون مأخذاً عليها”.

إن اعتبار النجاح في الامتحان الوطني شرطا أساسيا لدخول
خريجي الفروع الطبيّة للجامعات السورية سوق العمل والانتساب لنقاباتهم، هو مؤشر على
عدم اعتراف الوزارة بشهادات جامعاتها

جريمة البعث بحق جامعات سوريا

قبل انقلاب 1970، كانت “وزارة التعليم” تُحكم بقرارات مبنية على
معايير موضوعة من منظمة اليونيسكو ومنظمة الصحة العالمية، لضمان جودة التعليم الجامعي،
حيث وضعت منظمة الصحة العالمية، معايير للمحافظة على الاعتراف بشهادات الكليات الطبية
في منطقة شرق البحر المتوسط، كما وضعت امتحانا وطنيا موحدا تخضع له الجامعات الطبية
الخاصة والعامة، ليتم بناءً عليه، الاعتراف بشهادات الخريجين، إضافة لبعض المعايير
الأكاديمية المرجعية التي تحدد مهارات كل خريج قبل دخوله سوق العمل والمشافي والاختصاصات
المتقدمة. ووفقاً لذلك، وضعت الوزارة قرارات لقياس مخرجات التعليم العالي. كل ذلك تم
نسفه بعد وصول حزب البعث إلى السلطة، وتخصيص مقاعد لأعضائه ولمنظمة الشبيبة ولأبناء
الضباط.

المقياس العالمي المحدد لتصنيف الجامعات

يصنّف المقياس الأكاديمي لجامعات العالم، وهو الذي صُمّم من قبل معهد التعليم
العالي التابع لجامعة شانغهاي جياو تونغ، كبرى مؤسسات التعليم العالي وفقاً لصيغة محددة
تعتمد على عدة معايير لترتيب أفضل الجامعات في العالم بشكل مستقل. وعليه فإن المعايير
الأربعة المعتمدة لقياس كفاءة الجامعات وجودتها في هذا التصنيف، هي التالية:

1- جودة التعليم: وهو مؤشر لخريجي المؤسسة الذين حصلوا على جوائز نوبل وأوسمة
فيلدز، ويأخذ نسبة 10% من المجموع النهائي.

2- جودة هيئة التدريس: وهو مؤشر لأعضاء هيئة التدريس الذين حصلوا على جوائز
نوبل وأوسمة فليدز، ويأخذ نسبة 20%. وأيضاً في هذا المعيار مؤشر للباحثين الأكثر استشهاداً
بهم في 21 تخصصاً علمياً ويأخذ نسبة 20%.

3- مخرجات البحث: وهو مؤشر للمقالات المنشورة في مجلتي NatureوScience،
ويأخذ 20%، وأيضاً المقالات الواردة في دليل النشر العلمي الموسع ودليل النشر للعلوم
الاجتماعية ودليل النشر للفنون والعلوم الإنسانية، وتأخذ نسبة 20%.

4- حجم المؤسسة: وهو مؤشر للإنجاز الأكاديمي نسبة إلى المعايير أعلاه، ويأخذ
نسبة 10%.

وعليه فإن جودة التعليم في سورية، انخفضت بشكل كبير خاصة مع هجرة كثير من
أعضاء الهيئة التدريسية أصحاب الكفاءة العالية، فكلية الإعلام بجامعة دمشق مثلا، خسرت
أكثر من 20% من أساتذتها بعد أن هاجروا خارج سورية لأسباب أمنية.

ووفقاً لموقع “Webometrics”، التابع لمجمع وحدة
الأبحاث الدولية، وفي تصنيف صدر عنه في حزيران 2011، حلت جامعة دمشق في المرتبة
4475 عالمياً، وجامعة البعث إلى المرتبة 5133، أما جامعة حلب فحلّت في المرتبة
6730، والجامعة الافتراضية السورية في المرتبة 7015، وتأخّرت الجامعات الخاصّة إلى
مراتب أبعد من ذلك.

دستور ينافي الواقع

ينص دستور نظام الأسد في مادته الحادية والثلاثين مايلي: “تدعم الدولة
البحث العلمي بكل متطلباته، وتكفل حرية الإبداع العلمي والأدبي والفني والثقافي، وتوفر
الوسائل المحققة لذلك. وتقوم الدولة على مساعدة تقدم العلوم والفنون وتشجع الاختراعات
العلمية والفنية والمواهب المبدعة وتحمي نتائجها”، هذا الكلام يخالف الواقع، ففي
الوقت الذي تنفق فيه اليابان 3.4%، من دخلها القومي على البحث العلمي، لا يتجاوز إنفاق
سورية عليه، بحسب أحد المدرسين في كلية الطب، 0.1% من دخلها، وهو الذي غالباً ما يكون
لفئة معينة من أعضاء الهيئة التدريسية أصحاب الولاء المطلق للنظام. أما عن دعم الأبحاث
الجامعية، فيقول محمد علي العمري، وهو طالب دكتوراه: “جميع ما ينجر من أبحاث علمية
ورسائل ماجستير ودكتوراه يبقى حبراً على ورق ولا يستفاد منه. أما المنح العلمية التي
تُقدم فمعظمها يذهب للمدعومين من حزب البعث واتحاد الطلبة وأبناء الضباط”.

جميع ما ينجر من أبحاث علمية يبقى حبراً على ورق ولا يستفاد
منه، أما المنح العلمية التي تُقدم فمعظمها يذهب للمدعومين من حزب البعث واتحاد الطلبة
وأبناء الضباط

يبين أحد المدرّسين في كلية الصيدلة، أسباب تراجع تصنيف الجامعات السورية
قائلاً: “هجرة عدد كبير من الكادر التعليمي، أدى لنقص الكادر التدريسي للجامعات،
يضاف إلى ذلك غياب تخصصات عدة في مجال الدراسات العليا “ماجستير ودكتوراه”،
وتراجع مستوى الأبحاث المنشورة وقلتها، وضعف الإنفاق على البحث العلمي، بالمقابل حاولت
الجامعة تدارك نقص المدرسين، ما أدى لمشكلة جديدة وهي تكليف أساتذة لتدريس اختصاصات،
بعيدة عن فهمهم، ما يضعف المضمون العلمي المقدم للطالب”.

سماسرة يبيعون شهادات

بالإضافة إلى مراسيم رأس النظام، أتى تزوير الشهادة الجامعية ليقلل فرص
الخريجين في العمل أو متابعة تعليمهم، ويجعل من الاستحالة الاعتراف بشهادتهم. تقول
ريم، وهي خريجة من كلية الآداب بجامعة دمشق: “كنت أقيم في كندا مع أسرتي منذ
طفولتي، لكن والدي أصرّ أن أكمل تعليمي الجامعي في بلد نشأتي دمشق، وبعد أن قدّمت
كل ما استطعت من مجهود في جامعة دمشق بالرغم من بعدي عن أسرتي طيلة السنوات الأربع،
صُدمت فور تخرجي بعدم قبول شهادتي في جامعات كندا وفي سوق العمل. لقد طلبو مني
تعديل الشهادة الذي سيكلفني أموالا باهظة وسنتين إضافيتين. كل هذا جاء نتيجة لعدم
ثقتهم بشهادات جامعاتنا لكثرة عمليات التزوير التي تطالها”.

هناك طريقتان لتزوير الشهادات، الأولى في شبكات ناشطة بدول الجوار كتركيا ولبنان،
حيث تقدم شهادة علمية جامعية ليس لها أصل بوزارة التعليم العالي. أما الطريقة الثانية،
وهي الأخطر، فهي الشهادات التي تصدر من “وزارة التعليم العالي”، وفي حال
استفسرت أي جامعة عنها تجيب الوزارة بوجودها، ويتم ذلك عن طريق موظف من داخل الوزارة،
أو ممن لهم علاقات مع موظفين هناك، وهنا يصل سعر الشهادة إلى نحو مليون ليرة سورية.
بالمقابل، أشار وزير التعليم العالي في حكومة النظام محمد عامر ارديني، مؤخراً، لصحيفة
الوطن الموالية، إلى إجراءات عدة بهذا الخصوص، قائلاً: “ستطلق قريباً تجربة تضمن
فيها الشهادة عبر كودات أمنية وشريحة ذكية”، مضيفاً: “الشهادة السورية ما
زالت قوية ويجب اتخاذ إجراءات كفيلة بالمحافظة عليها، فيما يصب في جودة وسمعة هذه الشهادة”.

أما في تركيا أو بيروت فيتم بيع شهادات بأختام غير صحيحة وبسعر أقل من الداخل
السوري، فتسعّر الشهادة الجامعية بـ300 دولار، ويرتفع سعرها في اختصاصات الطب والصيدلة
والهندسات، وتتم طباعتها عن طريق برنامج
Photoshop.
لكن بحسب عبد ربه، فإن انتشار هذا النوع من الشهادات سيكون عائقاً كبيراً أمام الطلبة
الجامعيين السوريين، في ما يتعلق بصدقية الشهادات الجامعية التي يحملونها، والاعتراف
بها من قبل المؤسسات والشركات الأجنبية.

يصل سعر الشهادة المزورة المختومة من وزارة التعليم العالي
إلى مليون ليرة سورية.

يعتقد المدرس في قسم اللغة العربية بجامعة البعث، محمد العلي (اسم مستعار)،
أن “الترفيعات الإدارية وما رافقها من دورات ومراسيم، عامل سلبي على جودة الشهادة
في سورية. يضاف إلى ذلك تفشي ظاهرة السمسرة، ومساهمتها في تراجع مستوى الشهادة الجامعية.
كما أن كفاءة المدرس الجامعي ليست المقياس لترفيعه بل ولاءه وانتماءه للحزب والسلطة
الحاكمة. لكن هذا لا يهم نظام الأسد، فالبقاء على عرش السلطة أولوية له، ولو حرق جميع
الجامعات”.

شاهد أيضاً

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

الطفل حسن دياب - انترنت

مجزرة الكيماوي: روسيا تكذب في لاهاي وتحتجز “الشهود” في دمشق

وفق ما جرت العادة في أروقة المجتمع الدولي خفت الصوت المنادي بعقاب المجرم بشار الأسد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 − five =