الآن
الرئيسية / محليات / صدى البلد / سلام ووجه السماء

سلام ووجه السماء

حنين عتيق

أحاول منعها ولكنني لا أستطيع، هذه الأنهار المتدفقة من عينيّ، والتي لا
أدري من أية ينابيع تفيض، وأية شمس تلك التي ذوبت كل ثلوج روحي دفعة واحدة.

لأكثر من ساعة، لم أستطع التوقف عن البكاء. الكل حولي يحاولون تهدئتي، فيقولون
لي: “يا سلمى، هذه هي سلام، سلام الحقيقية”. لكنني أحس أنني منفصلة
تماما عن كل ما حولي، فحياتي تمر الآن كاملة أمام عينيّ وتغتسل بهذه الأنهار.

سلام، الطفلة التي انتظرتها لأكثر من ثلاث سنوات، والتي حلمت بها مذ كنت
عروسا، واخترت اسمها قبل أن أحمل بها، كما كنت أتخيلها وأحيك لها الملابس من الشهر
الأول بعد زواجي. وحين عرفت بحملي أيقنت فورا أني أحمل طفلة، وأن سلام ستأتي إلينا.
وليلة ولادتي لها، حلمت بأن نجمة سقطت في يدي.

منذ أشهرها الأولى كانت سلمى مميزة في كل شيء؛ تكلمت مبكرا، ومشت قبل أن
تكمل عامها الأول، ثم بدأت تظهر سرعة في حفظ كل ما يتلى عليها، وذكاء في ربط
الأشياء ومحاكمتها. ومنذ دخلت الصف الأول، تفوقت كثيرا في عمليات الحساب، فكنت دائما
أقول لها “ستصبحين طبيبة مشهورة مثل خالك”، لكنها كانت دائما تجيبني: “أنا
أحب الرياضيات، وسأصبح مدرسة رياضيات كوالدي”. ولم يتوقف والدها عن مساندتها
حين يردد لها: “يا سلام، كوني دائما ما تحبين، وأنا سأكون دائما فخورا بك”.

كبرت سلام وكبرت علاقتها بوالدها لدرجة أني صرت أغار منهما، خاصة حين
بدأت ثورة تونس وثورة مصر، إذ أصبحا يقضيان الساعات أمام شاشة التلفاز، لتبدأ بعدها
أسئلة سلام التي لا تنتهي. لم تكن سلام تشبع من الأسئلة، ولم يكن والدها يمل من
الشرح.

صارت سلام تعرف الكثير عن تاريخ سوريا وعن حضارتها، كما تعرف أيضا الكثير
عن فساد النظام فيها، وعن سلطة المخابرات وتحكمها بمصير الناس. كنت دائما أغضب من
والدها، وأقول له بأنها لم تزل في الصف الثامن، وحرام عليك أن تحشو رأسها بهذه
الأفكار. لكن والدها كان يقول “سلام أكبر من عمرها، ومادامت تسأل فيجب أن
أجيب”.

ازداد الوقت الذي كانا يقضيانه معا، وكانا يجلسان ويتحادثان بصوت خفيف،
وكنت أدرك أنها يتحدثان عن الثورة في درعا وفي حمص وفي ريف دمشق، فأخترع أي سبب كي
أشغل سلام وأبعدها، لكنها كانت تعود لوالدها وبريق يسكن عينها اللتين تشعان ألقا. إلى
أن جاء يوم وعادت فيه سلام من المدرسة بوجه يحمل لون ليمونة طازجة، فتحت باب البيت
وأخذت تشهق بالبكاء وتقول: “أنا سلام، صاحبة أعلى علامات في المدرسة، أطرد
منها!!”. ثم روت كيف استدعاها المدير
إلى مكتبه، وقال لها أنها تنشر بين رفاقها أفكارا مخربة ومعادية للدولة، وأنها
تخون سوريا، وقال أنه لولا الخبز والملح الذي كان يجمعه مع أهلها، لكانت الآن في
السجن، ولكانت تطلب الموت ولا تجده. ثم حذرها من العودة إلى المدرسة.

من ذلك اليوم، رحلت سلام التي كانت تضج بالحياة، وسكنتها سلام مكسورة
وجافة. لكن قربها من والدها كان مطر روحها الوحيد، فلم تكن تريده أن يراها ضعيفة. وحين
جاءنا الرجال الخمسة في تلك الليلة المظلمة، وطوقوا بيتنا ثم دخلوه وأمسكوا والدها
أمامها، وضربوه بشدة، ثم جروه إلى سيارتهم، ماتت فيها سلام القوية، وولدت سلام
جديدة لا أعرفها ولا تعرف نفسها.

سنة كاملة مرت دون أن نعرف عن مصير والدها أي شيء، سنة كاملة نزحنا فيها
ثلاث مرات كانت آخرها حين دخلت داعش السوداء إلى حلب وهربنا مع عائلة أخي إلى
تركيا. بعد شهرين جاءني أخي قائلا: “سنسافر كلنا يا سلمى، سنسافر لبلاد تقدر
أطفالنا وتجعلنا نعيش بأمان”. ركبنا البحر وكنا كتلا بشرية فوق قارب يكاد أن
يغرق في أية لحظة، ولا أدري كيف وصلنا إلى تلك الجزيرة اليونانية وكيف تابعنا
بعدها رحلة المشي التي لم أتخيل أن أعيشها يوما؛ غابة تسلمنا لغابة، وحدود لحدود،
وهروب وخوف وذعر. ولا أدري كيف وصلنا، وأيه قوة تلك التي وقفت بجانبنا حتى صرنا
هنا في هذه البلاد الخضراء الباردة. لكن سلام كانت تتحرك كميتة، بعد أن أصبحت
نحيلة وبهت جمالها. لم تكن تريد الذهاب للمدرسة، لكن إصراري على تذكيرها بحلمها
الذي سيسعد تحقيقه والددها حين يخرج من السجن، أجبرها على القبول.

دخلت سلام المدرسة، وبعد شهر أظهرت تفوقا في التعامل مع اللغة الجديدة،
ومن ثم أظهرت تفوقا في الرياضيات. لكن ما لم أتوقعه هو حصول سلام في نهاية الفصل
الأول على أعلى علامة في رياضيات، مما دعا مدير المدرسة لتكريمها ضمن حفلة اجتمع
فيها كل أهالي الطلاب، قال فيها أنه فخور بأن سلام طالبة في مدرسته.

أقف الآن هنا، وأسمع كلمات المدير التي تترجمها لي سلام للعربية، وأنهار
دموعي لا تتوقف، وصورة والد سلام تغطي كل السماء.

شاهد أيضاً

مسؤول في النظام السوري يعترف بمقتل وجرح 600 عنصر بمعارك السويداء

اعترف مسؤول في حكومة النظام السوري السبت، بمقتل وجرح أكثر من 600 عنصر لها خلال …

عشرات التظاهرات شمال سورية دعماً للدفاع المدني

تظاهر عشرات آلاف السوريين في شمال سورية، اليوم الجمعة، تحت شعار “روسيا تقتلنا والدفاع المدني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ten + 8 =