الآن
الرئيسية / رأي / روسيا تزيد ضغوطها على تركيا

روسيا تزيد ضغوطها على تركيا

عبد
القادر عبد اللي

قبل
العملية الإرهابية الأضخم في تاريخ الجمهورية التركية بأقل من أربع وعشرين ساعة،
أعلنت مصادر من قاعدة إنجيرليك جنوب تركيا، أن طائرة روسية اعترضت طائرتين للتحالف
الدولي عندما حاولتا دخول الأراضي السورية لضرب أهداف لداعش، ومنعتهما من التحليق
فوق الأراضي السورية. وقبلها بزمن قصير أيضاً، رفضت موسكو طلباً تركيا بزيادة
مشترياتها من الغاز الطبيعي بمقدار مليوني متر مكعب… وبعد العملية الإرهابية
التي استهدفت نشطاء سلميين في أنقرة، وراح ضحيتها حوالي مائة مواطن من مختلف المدن
التركية، صرح رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما الروسي: “كم عملية إرهابية يجب
أن تحدث في تركيا لكي تنضم تركيا إلى مكافحة الإرهاب؟”. وكما بات جلياً فإن
الإرهاب بالمفهوم الروسي هو القتال ضد القوات التي تدافع عن النظام في سورية.

هذه
مؤشرات دلالاتها شديدة الوضوح. فروسيا كما يبدو من عملياتها التي تنفذها في سورية،
تنتهج نهج النظام، وتتجنب التصادم مع داعش، وحتى تحول دون تقديم طائرات التحالف
الدولي أي دعم جوي للفصائل المسلحة المعارضة أثناء قتالها داعش، والأمر يتعدى ذلك
إلى قتال الجيش الحر الذي يقاتل داعش لكي تريح هذا التنظيم، ووجهت أعنف قصفها إلى
الفصائل التركمانية من هذا الجيش والتي تعتبر تركيا راعية لها. من جهة أخرى، فإن
الأزمة الاقتصادية التي بدأت روسيا تعاني منها بعد أحداث جورجيا، لم تمنع روسيا من
رفض صفقة تجارية مهمة للاقتصاد الروسي.

الولايات
المتحدة صمتت عن التدخل الروسي، كما صمتت –وحتى أنكرت- تدخل حزب الله في سورية في
البدايات، إلى أن أعلن الحزب بنفسه تدخله، وهذا لا يعني سوى أنها كانت موافقة
ضمنياً على تدخل إيران في سورية، والموافقة الضمنية تعني دعماً غير مباشر.

وهكذا
تُركت تركيا وحيدة في موقفها المتشدد من النظام السوري. وبالطبع، فإن السعودية
وقطر على الرغم من تبنيهما الموقف التركي نفسه، ليس لهما حدود مع سورية، والدعم
السعودي والقطري بحاجة لتركيا من أجل إيصاله (والأردن جنوباً).

بمعنى
آخر، الحرب اليوم تستهدف تركيا، والتدخل العسكري الروسي في سورية يبدو من خلال
الاختراقات العديدة للأجواء التركية، والأهداف التي يضربها، أنه يستهدف تركيا.

حافظت
إيران على علاقات في الحد الأدنى مع تركيا حتى وقعت الاتفاق النووي مع مجموعة خمسة
زائد واحد، لأن تركيا كانت الباب الأهم لها المستثنى من العقوبات الدولية، ولكن
بعد رفع هذه العقوبات لن تحتاج إيران أيضاً إلى تركيا، وهذا ما جعلها تصعد
بمواقفها ضد تركيا.

تدرك
إيران وروسيا أن اللعب مع تركيا هو لعب عض أصابع، فالأطراف كلها تتألم؛ الاقتصاد
الروسي لا يحتمل حرب استنزاف طويلة، ليس من ناحية تكاليفها، فالراعي الإيراني
مستعد للدفع، والمواطن الإيراني سيرضخ للفتوى بالتقشف، لأن الفتوى لدى أتباع
الإمام الفقيه تطابق تماماً الفتوى لدى أتباع البغدادي، هي جزء من الدين والعقيدة،
والخروج عنها من الكبائر. ولكن فشلاً جديداً بعد فشل الصواريخ الروسية المطلقة من
بحر قزوين، وخاصة فيما لو أسقطت بعض الطائرات التي تعرضها روسيا في سماء سورية
اليوم بسلاح ما يُعطى للمعارضة، سيوصل سوق السلاح الروسي إلى الانهيار، ولعل هذه
تكون هزيمة أكبر بكثير من خسارة بعض الجنود أو الضباط الروس في القتال.

تعيش
تركيا اليوم المرحلة الأسوأ، فالخيارات أمامها تكاد تكون شبة معدومة، ومازالت هناك
اختراقات كبرى في بنية الجيش والأمن لصالح قوى منافسة في الداخل. وبلوغ التنافس
والصراع السياسي الداخلي التركي مرحلة التنافر التام، يجعل أصحاب القرار في تركيا
يعدون إلى الألف قبل اتخاذ أي قرار.

بالطبع
من غير المعقول أن تدخل تركيا عسكرياً، فهذا مستحيل دون غطاء دولي. الحل الوحيد هو
ما تناقلته وسائل الإعلام خلال الأسبوع الأخير نقلاً عن تصريحات أمريكية، وهو رفع
سوية تسليح المعارضة، وتأمين الغطاء الجوي لها أثناء قتالها داعش. صحيح أن تسليح
المعارضة مازال ينقل في الأخبار على أنه تصريحات، والتصريحات في عالم السياسية لا
تعني شيئاً، مثلها مثل تصريحات روسيا أنها تقاتل داعش، ولكنها بالفعل تدافع عنها
بضرب من يقاتلها، وما كان يتسنى لداعش احتلال مساحات واسعة في شمال حلب لولا الدعم
الروسي غير المباشر، ولا بد من فعل ما تظهر نتائجه حتى يقال إن هذه التصريحات
صحيحة.

أمام
تركيا، والفصائل العسكرية المقاتلة في سورية، فرصة واحدة للخروج من تحت هذا الضغط
الهائل، وهي أسلحة نوعية. ليس بالضرورة أن يكون هذا السلاح نوعياً جداً يهزم
الطائرات الروسية، بل يكفي أي يسيء إلى سمعتها فقط، هذا السلاح ينقذ تركيا، وينقذ
الجيش السوري الحر.

الولايات
المتحدة تمنع وصول هذا السلاح إلى المقاتلين على الأرض، هل تغض الطرف أخيراً؟ لا
أحد يستطيع أن يجزم، ولكن الأسابيع القادمة ستعطي مؤشرات قوية، وبالطبع هذا مرتبط
مع تجاوب المقاتلين على الأرض، وتقديم أداء يجعل الآخرين يثقون بهم.

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + 20 =