الآن
الرئيسية / اقتصاد / خطوط الغاز… وخيوط المؤامرة (3)

خطوط الغاز… وخيوط المؤامرة (3)

أحمد العربي

من الواضح أن
أوروبا ومعها أمريكا، تراهن على تعاون إيران أكثر من مراهنتها على تعاون روسيا في مجال
الغاز. كما أن إيران تمثل البلد المثالي لمشروع نابوكو، فإضافة إلى امتلاكها
احتياطيات غازية ونفطية هائلة، وأنها صاحبة ثاني أكبر احتياطي بعد روسيا، فإنها
معبر مثالي لنقل الغاز التركماني إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب الإيرانية الموجودة
في تركيا، ومن دون إثارة النزاعات القانونية الدولية التي أثارتها روسيا حول بحر
قزوين، كما أن إيران ستكون مثالية لعبور غاز قطر أيضاً لأنبوب نابوكو
.

تمثل
إيران البلد المثالي لمشروع نابوكو، فإضافة إلى امتلاكها احتياطيات غازية ونفطية
هائلة، وأنها صاحبة ثاني أكبر احتياطي بعد روسيا، فإنها معبر مثالي لنقل الغاز
التركماني إلى أوروبا

إذاً فإيران هي
المحطة المثالية لتلقي ثالث ورابع أكبر الدول المنتجة للغاز في العالم، ومحطة
تصدير الغاز منها كثاني دولة ومن قطر كثالث دولة ومن تركمانستان كرابع أكبر الدول
المنتجة للغاز في العالم. وفي الوقت نفسه، لا شك في أن إيران تعد خط غاز «نابوكو»
وسيلة مثالية للدخول في شراكة استراتيجية حقيقية مع أوروبا، وكسر الحصار الذي فرضه
الغرب على اقتصادها من جهة، بالإضافة إلى مكاسبها السياسية والنووية التي ستمكنها
من التحول إلى أقوى دولة في المنطقة من جهة أخرى
.

إيران
تعد خط غاز «نابوكو» وسيلة مثالية للدخول في شراكة استراتيجية حقيقية مع أوروبا
وكسر الحصار الذي فرضه الغرب على اقتصادها من جهة، بالإضافة إلى مكاسبها السياسية
والنووية التي ستمكنها من التحول إلى أقوى دولة في المنطقة من جهة أخرى.

ويبدو أن هنالك
تلميحات في هذا الشأن من قبل الولايات المتحدة بقبول إيران في مشروع نابوكو وتطبيع
العلاقات بين واشنطن وطهران، وهو أمر محتمل بعد توقيع الاتفاق النووي، خصوصاً بأن معيار
نجاح نابوكو من عدمه، يعتمد بشكل أساسي على مشاركة إيران فيه.

وعلى الرغم من أن
روسيا تفضل أن تركز إيران على تسويق منتجاتها في السوق الآسيوية كالهند والصين،
وإبقائها بعيدة عن سوق الغاز الأوروبية، إلا أن إيران تجد منافسين لها في السوق
الآسيوية، وتبقى لها السوق الأوروبية المتعطشة للإمدادات الإيرانية، ورغبة إيران
الملحة في المشاركة الاستراتيجية مع أوروبا، هذا ما سنراه عن كثب في الأسابيع
والأشهر المقبلة
.

تمت الإشارة
سابقاً إلى أن سوريا رفضت العرض القطري 2009، بمد خط أنابيب لنقل الغاز يبدأ في
قطر مروراً بالسعودية وينتهي في سوريا، لتصدير الغاز القطري إلى أوروبا، وبالطبع
كان سبب الرفض هو أن قطر أكبر منافس لروسيا في إنتاج الغاز وروسيا حليف الأسد.

ومن ثم وافقت
سوريا على عرض إيراني 2011، لمد خط أنابيب يبدأ في إيران ويمر بالعراق لينتهي في
سوريا، وهنا بدأ تهديد المصالح القطرية، حيث أن الغاز الإيراني مصدره ذات الحقل
القطري، وهو حقل بارس في الخليج العربي والذي يعد من أكبر حقول الغاز و يقع نصفه
في المياه الإقليمية الإيرانية ونصفه في المياه القطرية، إضافة إلى أن وصول الغاز
الإيراني إلى أوروبا يهدد موقع قطر على خارطة الغاز العالمية كأكبر مصدر للغاز
المسال في العالم، كون الغاز الإيراني سيكون أقرب إلى أوروبا وأرخص ثمناً لأنه
ينقل بالأنابيب، في حين الغاز المسال القطري أكثر كلفة ويحتاج إلى مستودعات إسالة وناقلات
عملاقة.

موافقة سورية على
مرور خط الأنابيب الإيراني ليس تهديداً فقط لمصالح قطر بل أيضاً لمصالح روسيا،
التي تحتكر تقريباً توريد الغاز إلى أوروبا وترغب بإبقاء إيران تصدر فقط إلى آسيا
والصين وبعيدة عن أوروبا. أما بالنسبة لأمريكا، فوصول الغاز الإيراني لأوروبا
سيكون بمثابة كسر للحصار على إيران، وورقة ضغط بيد إيران في ملفها النووي، ولن
تسمح بذلك مجاناً، خصوصاً أن عينها على الغاز الإيراني لملء خط أنابيب نابوكو.

وهنا تلاقت مصالح
كل تلك الدول مع المصلحة التركية في عدم مرور خط الانابيب الإيراني عبر سوريا، وهي
التي تريد أن تكون الممر الوحيد لنقل الطاقة من المنطقة إلى أوروبا ليس فقط لأجل
العائد السنوي لقاء عبور الأنابيب، وإنما كون كل الدول المستفيدة من الأنابيب سواء
منتجة أو مستوردة ستساهم في استقرار تركيا الذي سيمثل استقرار مصادر الطاقة، وهذا
أكثر ما يهم أردوغان لأنه سيحشد دعماً إقليمياً ودولياً لاستمرار العدالة والتنمية
في السلطة ويحميه من منافسيه، وخصوصاً الجيش التركي ذو الماضي الانقلابي داخلياً،
إضافة إلى أن تحول تركيا إلى ممر للطاقة سيذلل العقبات أمام دخولها للاتحاد
الأوروبي.

والأهم من ذلك أن
خط الأنابيب الإيراني بعد سوريا سينتهي في قبرص، مما يعني دعم قبرص المعادية بالنسبة
لتركيا ومنحها امتيازات الحماية، أضف لذلك كميات الغاز البحري الهائلة والمكتشفة
في سواحل سوريا ولبنان وفلسطين والتي تقدر بـ 122000 مليار قدم مكعبة، الأمر الذي
سيجعل المنطقة منافساً عالمياً لروسيا وإيران وقطر في تصدير الغاز، ولا مصلحة لتلك
الدول في استخراج تلك الكميات في الوقت الحالي.

ولذا كان الحل
الوحيد الذي تلاقت عليه مصالح تلك الدول هو استغلال حالة الغضب الشعبي على النظام
السوري، وتحويل الحراك الثوري إلى مواجهة مسلحة مدمرة يُدعم فيها طرفي النزاع من
قبل مجموعة من الدول ذات المصلحة لإطالة الصراع، وكلٌ يأمل أن يكون هو الرابح
بالكعكة السورية كاملة، والضحية هو الشعب السوري الذي حرم من استغلال موارد الغاز
التي كانت ستحول سوريا إلى إحدى أغنى دول المنطقة، ويدفع دماً في لعبة مصالح قذر.

أما بالنسبة للنظام
السوري، فهو يدرك تلك اللعبة جيداً ويمسك بخيوط اللعب فيها، فبعد أن يأس من قدرة
إيران على دعمه ألقى بنفسه في حضن الدب الروسي، مستغلاً المصالح الروسية ورغبتها
في السيطرة على موارد وخطوط الغاز عالمياً، فإن لم يفلح الروس، فتبقى بيده هو
وإيران ورقة المصالح الأمريكية ومن خلفها قطر وتركيا.

بعد
يأس النظام من قدرة إيران على دعمه ألقى بنفسه في حضن الدب الروسي، مستغلاً
المصالح الروسية ورغبتها في السيطرة على موارد وخطوط الغاز عالمياً، فإن لم يفلح
الروس فتبقى بيده هو وإيران ورقة المصالح الأمريكية ومن خلفها قطر وتركيا.

وطبعاً خطوط نقل
الغاز لم تأتِ بالوبال على سوريا فقط، بل على دول كثيرة أفيد في المقالات السابقة
أمثلة عنها، مثل ليبيا ونيجيريا التي ابتليت ببوكو حرام كما ابتليت سوريا والعراق
بتنظيم “الدولة الإسلامية”.

يضاف إلى ذلك، السعودية،
والتي يشكل أنبوب الغاز القطري الذي كان من المفترض أن يمر عبر أراضيها جوهر
الخلاف بينهما. فالسعودية، بعد أن أعلنت عن اكتشاف 8 آبار جديدة للغاز في المنطقة
الشرقية منها، تراجعت عن الموافقة على مرور أنبوي الغاز القطري، فما تم اكتشافه من
غاز في تلك الآبار سيعيد السعودية إلى خارطة مصدري الغاز، وهذا ليس في صالح قطر
ومن خلفها تركيا وأمريكا، لذا عمدوا إلى إثارة النعرات الطائفية وتحريك سكان
المنطقة الشرقية من السعودية وهم غالبية شيعية، للتظاهر وزعزعة الأمن، مما وتر
العلاقات السعودية القطرية والسعودية التركية.

يشكل
أنبوب الغاز القطري الذي كان من المفترض أن يمر عبر الأراضي السعودية، جوهر الخلاف
بين قطر والسعودية، فالأخيرة بعد أن أعلنت عن اكتشاف 8 آبار جديدة للغاز في
المنطقة الشرقية منها، تراجعت عن الموافقة على مرور أنبوي الغاز القطري.

هذا التوتر الذي
انعكس على سير الأحداث في سوريا ومصر، التي ابتليت بما يسمى “أنصار بيت
المقدس” في سيناء. ولفهم أسباب عمليات هذه الجماعة، يجب فهم المصالح
الإسرائيلية في خضم صراع نقل الطاقة في المنطقة، فإسرائيل لديها رغبة في أن تكون
إحدى نقاط عبور خطوط نقل الطاقة في المنطقة، وهذا لن يتحقق دون تدمير نقاط العبور
الباقية، وهو ما تحقق في سوريا، ولكن تبقى مصر، وهذا ما يفسر عمليات أنصار بيت
المقدس بضرب السفن في قناة السويس وتفجير خط غاز العريش الأردن بأكثر من نقطة، وهو
ليس الخط الذي ينقل الغاز لإسرائيل، بل ينقل الغاز إلى الأردن. كل تلك العمليات
للإيحاء بأن مصر أيضاً لم تعد آمنة لعبور ناقلات النفط أو خطوط الغاز، وبذلك
تستطيع إسرائيل تقديم بديلها وهو التصدير عبر موانئها إيلات وأشكيلون على البحر
المتوسط. إذاً، كل ما تمر به المنطقة اليوم ما هو إلا صراع على تقاسم الثروة في
العالم تذهب الشعوب فيه ضحية.

شاهد أيضاً

النظام يعوّض الفلاحين المتضرّرين من السيول بـ “٢ دولار”!

عوّض صندوق الكوارث التابع لوزارة الزراعة في حكومة الأسد، الفلاحين أصحاب المحاصيل الاستراتيجية، المتضرّرين من …

فرنسا تجمد أصول أفراد وشركات لاشتباه ضلوعها “بتطوير أسلحة كيماوية”

أعلنت السلطات الفرنسية اليوم الجمعة، أنها جمدت أصول ثلاثة أفراد وتسع شركات يشتبه بضلوعها في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

six − three =