الآن
الرئيسية / منوعات / حرب البيوت الغائبة

حرب البيوت الغائبة

خضر الآغا

في الأحداث الكبيرة والصغيرة التي
يمر بها العالم، تتعرض الشعوب الفقيرة والمضطهدة والمقهورة إلى ظلم مضاعف. الشعب
السوري، خلال سنوات ثورته، تعرض لظلم، ليس مضاعفاً فحسب، بل أضعافاً مضاعفة، على
كافة المستويات، ولم يزل مستمراً. قد يكون الظلم مقصوداً، وقد يكون غير مقصود،
وهذا الأخير قد يكون أشد مضاضة!

العالم يهتم، أو أنه، حتى لو لم
يكن مهتماً، ينقل إعلامياً ما يحدث من سقوط جرحى أو قتلى أو تدمير منزل وغير
ذلك… وهذا ضروري بطبيعة الحال، لكن مايتناساه العالم، أو لا ينظر إليه باهتمام،
هو التفاصيل اليومية التي يعيشها الشعب السوري، التفاصيل في المنزل، في الطريق، في
الحارات، في أماكن العمل، في شراء حاجياته، أو في التفكير بشرائها… وغير ذلك مما
يهتم به الإنسان السوري بعيداً عن حسابات السياسة والوفود واجتماعات الرؤساء
ودهاليز الاتفاقيات… وبعيداً عن حسابات الربح والخسارة في المعارك الدائرة في
أمكنة البلد كافة…

ما زلت أتذكر وقوف جارنا على نافذة
منزله وهو يتحدث مع نفسه، ويتطلع إلى الأعلى وإلى جهة الشرق، ويحرك يديه كأنه يرسم
في الهواء شكلاً هندسياً، وهكذا… ثم سألته: ماذا تفعل ياجار؟ فطلب أن يدخل منزلي
لنتحدث “على رواق”، ثم قال بأنه يفترض أن صاروخاً ما، أو قذيفة هاون، انطلقت
من الجهة المقابلة لمنزله: هل ستصيب المنزل أم لا؟ وراح يدخل في التفاصيل: لو
ارتفعت القذيفة أو الصاروخ فوق البنايات المقابلة، فإنها لن تصيب المنزل نظراً
لقربه من هذه البنايات، لكنها يمكن أن تصيبه لو انطلقت من هذه الجهة -وأشار إلى
جهة منحرفة قليلاً-! لكن هذا احتمال بعيد، فلا يوجد منصة صواريخ في هذه الجهة على
مد النظر، ومن المستحيل أن قذيفة هاون ستصيب منزلي من هذا الاتجاه لأنه لا يوجد
قوى مسلحة هنا على مد النظر أيضاً! لكن السؤال الذي كان يقلقه هو ما إذا كان
للصاروخ أو لقذيفة الهاون إمكانية الالتفاف، بحيث أنها ستدخل عبر هذا الفراغ بين
البنايتين المتقابلتين! ثم غضب أكثر فأكثر وعلا صوته وهو يقول: لقد قلت مراراً
لزوجتي أنني لم أحب هذا البيت، لم أحبه، لكنها أصرت على استئجاره. يا أخي ماحبيتو،
كأنو كان قلبي حاسسني!

وفيما كنت أحاول أن أهدئ من روعه
بحجج لا أملك سواها من نوع: الأعمار بيد الله، “قل لن يصيبكم إلا ما كتب الله
لكم”، المكتوب مامنو مهروب، وهكذا…
انتفض في وجهي: والله مو خايف على حالي، طز فيني، بس هالولاد لك أخي، والله
ما عم أعرف نام، وأنا عمراقب السما طول الليل، مرة بنيمهن بالحمام، مرة بالمطبخ،
مرة بالكوريدو… وهكذا…

هذه التفاصيل المريرة والقاسية على
نحو باطش، هي ما تشكل تفاصيل الحرب الحقيقية، التفاصيل التي يعيشها الشعب السوري
على مدار الساعة، وتقلقه على مدار الساعة، وتشكل هاجسه الأشد عجزاً على مدار
الساعة! هذه التفاصيل هي ما يغيب عن عيون العالم المفقوءة، وعن إعلامه، وأحاديثه،
ومؤتمراته… مايغيب عنه إذاً هو الحياة الحقيقية للناس.

حتى الكتاب المنحازون للثورة ولتطلعات
السوريين وآلامهم، كثيراً ما ينسون ذلك في غمرة انشغالهم بالمأساة كما يراها
العالم، لا كما يعيشها الناس البسطاء في يومياتهم. نقرأ دائماً تحليلات سياسية أو
اقتصادية أو عسكرية… لكننا نادراً ما نقرأ أوجاع البسطاء، على الرغم من أن هؤلاء
الكتاب جميعاً، وأنا منهم لو صح ادعائي أنني كاتب، يصرّحون على الدوام أنهم يكتبون
لأجل الناس!

بالإضافة إلى السياسة، وإلى
الاقتتال، والقتال، والثورة، والحرب، يعيش الناس داخل سوريا، وفي مخيمات اللجوء
والنزوح واقعاً أشد قسوة، وأكثر مرارة، يتوجب على الجميع الانخراط فيه ونقله
وجعله، إضافة إلى العمليات العسكرية والسياسية، في محور الاهتمام السوري والعالمي
أيضاً.

الحرب، أيضاً، في البيوت.

شاهد أيضاً

فيلا في طرطوس للبيع بمبلغ خرافي

تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، خبراً عن عرض فيلا في مدينة طرطوس الساحلية غرب …

نواعير حماة تعود للدوران

أعلنت وسائل إعلامي محلية سورية، أن فريق الهندسة التابع لمجلس محافظة حماة، سيعمل على إعادة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 + 7 =