الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / المنعطف المفصلي الحالي في مسار الثورة

المنعطف المفصلي الحالي في مسار الثورة

نبيل شبيب

الغزو
الجوي الروسي هو الورقة الأخيرة حتى الآن، في جعبة نظام شرعة الغاب العالمي للتخلص
من ثورات شعبية في سورية وأخواتها، كسرت أخطر دعامة لذلك النظام المنحرف عن القيم
الإنسانية والحضارية، وهي

الدعامة
القائمة على علاقة الهيمنة والتبعية المفروضة بمختلف الأساليب والوسائل بين القوى
الدولية الرئيسية المعدودة وبلدان العالم، لا سيما في المنطقة العربية والإسلامية.

والغزو
الجوي الروسي هو الورقة الأشد عنفا وهمجية والأكثر تعبيرا عن العدوانية المطلقة،
من بين سائر ما استخدم حتى الآن دون جدوى، لخنق الثورة الشعبية في سورية تمهيدا
لوأدها، وإن كان لا يمثل بحجمه وعنفوانه ولا حتى تخطيطه وتقنياته ما سبق أن مارسته
قوى العدوان الدولية في أفغانستان والشاشان وفي العراق وفلسطين وغيرها. لهذا ولأسباب
عديدة أخرى، لا بد أن يكون مصيره الانحسار بعد التقتيل والتدمير، والإخفاق بعد
التدبير والتنفيذ، ثم اللعنات المتوالية من أجيال البشرية التالية كما تلعن أفاعيل
فرعون والنمرود ونيرو وأمثالهم.

إن
الغزو الجوي الروسي واحتضانه بالتنسيق المشترك مع الأمريكيين والإسرائيليين
تخصيصا، يكشف عن أن ما تصنعه الثورة في سورية هذه الأيام لا يقتصر بمفعوله ونتائجه
على سورية، ولا يقف بأبعاد التغيير الجذري الذي شق طريقه عند حدود اللحظة
التاريخية الآنية.

إن
انتصار ثورة سورية هذه الأيام يضع مسار التاريخ البشري منذ مائة عام وزيادة أمام
منعطف مفصلي بعيد المدى بنتائجه.

صحيح
أن انتصارات محلية تحققت من قبل في بلدان تعرضت معا لأكثر من مائتي حرب عدوانية
وتدخل عسكري بعد الحرب العالمية الثانية، إنما لم تكن فيها أوضاع ومعطيات ذاتية تكفي
لتحويل هزيمة العدو إلى انتصار، وتشق طريق البناء بعد الصمود والمقاومة… فهل
يتغير ذلك في سورية ومن ثمّ في سائر بلدان المنطقة التي تعانقت فيها “قضية
التحرير عبر ثورات الربيع العربي” مع “قضية التحرير عبر الانتفاضات
الفلسطينية”؟

ليس
هذا أملا بعيد المنال.

إن
الصمود الثوري المذهل في سورية، واستمرارالثورة خمس سنوات، وانتصاراتها على أبشع
أشكال الإجرام الأسدي والشركاء في الإجرام إقليميا ودوليا، يؤكد أن هذه الثورة
فجرت في آذار/مارس ٢٠١١، طاقة أعظم وأكبر بكثير مما توقعه صانعوها وأعداؤها على
السواء، رغم جميع ما انطوت عليه من أخطاء ذاتية ومن انحرافات مصنوعة داخليا
وخارجيا.

ليس
الانتصار الحاسم على منعطف التغيير الجذري عالميا أملا بعيد المنال… ولا يتحقق
قطعا من خلال التمنيات، وإن كانت مشروعة، ولا بالأدعية طلبا للنصر وإن كانت مفروضة
مطلوبة، إنما يلقي مسؤولية أكبر من جميع ما حمله الثوار مع شعب سورية حتى الآن،
وأثبتوا قدرتهم على تحقيقه والأعداء يحيطون بهم من كل جانب، ويرتكبون من الجرائم
الهمجية ما لم يسبقهم إليه أحد من مجرمي التاريخ البشري.

لم
تعد مسؤولية الثوار ومن يدعم الثوار صادقا مخلصا، مقتصرة على تحرير ريف أو مدينة،
ولا توجيه ضربة لمعقل من معاقل استبداد محلي وميليشيا مستوردة، ولا تقتصر قطعا على
تلبية الاحتياجات الإنسانية والمعيشية لملايين النازحين والمشردين والمحاصرين
والمصابين.

لن
يرحم سجل التاريخ ولا أجيال المستقبل، عدوا مجرما، ولن يرحم أيضا من ينشغل عن
مواجهته بما يستحق وما يكفي لدحره وهزيمته.

إننا
في مسار الثورة في منعطف حاسم بالغ الخطورة، يفصل ما بين حق وباطل، وكل يحمل
مسؤوليته عن إحقاق الحق وتجنب الباطل.

هي
مسؤولية إحقاق الحق وهدف الانتصار من خلال توحيد الصفوف ميدانيا، والتحدي الجماعي
لجميع قنوات الدعم المزعوم والحقيقي، ألا تستمر في استغلال الدعم لتفرقة الصفوف.

وهي
بالمقابل المسؤولية عن زيغ الباطل وتأخير النصر عند الاكتفاء بالحديث عن توحيد
الصفوف وبعض المحاولات الجزئية.

هي
مسؤولية إحقاق الحق وهدف الانتصار من خلال توحيد الرؤى فكريا وسياسيا، وتلاقي
القادرين على ذلك فكرا وتخطيطا وإبداعا وتوجيها.

وهي
بالمقابل المسؤولية عن زيغ الباطل وتأخير النصر عند استمرار المراوغة حول التشبث
بالرؤية الذاتية وحدها مهما كان شأن من يتشبث بها وشأن مبرراته المزعومة.

بل
هي أيضا مسؤولية إحقاق الحق ودعمه وهدف الانتصار وخدمته من خلال ذلك الكم الهائل
مما يكتب وينشر ويدور في غرف حوارية مفتوحة ومغلقة، عبر نوعية ما يقال عن الثورة
والثوار، والأحداث والمواقف، والواجبات الملحة… لجمع الصفوف.

وهي
بالمقابل مسؤولية ارتكاب الباطل وطعن العاملين لهدف الانتصار في ظهورهم عندما
يستمر ما انتشر من ألوان النيل من هذا الفريق أو ذاك تحت قناع ممارسة “نقد
واجب”.

ولنعلم
أنه لم يعد جائزا التسليم بأوهام لا حصر لها، ومقولات لا قيمة لها، كمقولة إن شعب
سورية كله “قيادات” ولهذا لا يقاد، فقد سلمت النسبة الأعظم من شعب سورية
قيادها ووضعت أحلامها وأمالها ودماءها وأرواحها لمن يتصدون لقيادة هذه الثورة
ميدانيا وسياسيا وفكريا وتوجيهيا، من علماء ومن ألحق نفسه بوصف العلماء، ومن
متخصصين عسكريين ومن ألحق نفسه بهم، ومن سياسيين مبدعين ومن يزعم ممارسة السياسة
زعما، سلمتهم القياد فحمّلتهم بذلك مسؤولية كبرى اليوم وبين يدي الله تعالى..

القيادات
قد تصنع المناصب عبر إنجازات تملؤها وترفع مستواها… ولكن المناصب لا تصنع
القيادات بالتمني والادعاء

ولا
تزال هذه الثورة التاريخية المزلزلة عالميا، في حاجة إلى قيادات عديدة تاريخية
المستوى، تدرك حجم المسؤولية الكبرى على عاتقها، وتتعاون حقا لا كلاما مع بعضها
بعضا، وتثبت وجودها وكفاءاتها من خلال عطاءاتها ومن خلال تنامي الالتفاف حولها لا
الانسحاب من جماعاتها، ولا يتحقق ذلك قطعا من خلال “قدرتها” على فرض ما
تريد بقوة السلاح أو المال أو العلاقات الخارجية، بل من خلال كفاءاتها وإقدامها وبعد
نظرها والحكمة في تصرفاتها.

ولنذكر
جميعا، أن كل قطرة دم تسفك في غير ميدان الجهاد لدحر العدو وهزيمته، كبيرة من
الكبائر في حساب المسؤول عنها والمشارك فيها.. وأن كل قطرة دم تسفك نتيجة العدوان
العالمي على سورية، يحمل المسؤولية عنها المجرمون، كما يحمل قسطا من المسؤولية كل
من لا يعمل للارتفاع بمستوى مواجهة المجرمين ميدانيا وسياسيا وفكريا وإعلاميا
وتخطيطا وتنفيذا، بدءا بتوحيد الرؤى والصفوف، انتهاء بأن يمسك كل فرد لسانه وقلمه
عن الإمعان في تفرقة الصفوف وفي خدمة الباطل، عبر الطعن والافتراء والإفك والبهتان
ونشر التيئيس والإحباط والتشكيك.

شاهد أيضاً

أردوغان يحذّر بوتين من الهجوم على إدلب

    حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من السماح للنظام …

استئناف “مفاوضات درعا” بوساطة أردنية

أعلن المعارضة السورية المسلّحة، المُقاتلة في محافظة درعا جنوب البلاد، عن استئناف المفاوضات اليوم الأحد، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

9 + 14 =