الآن
الرئيسية / تحقيقات / “الاختطاف” جنوب دمشق.. حرب غير معلنة وقودها المدنيون المحاصرون

“الاختطاف” جنوب دمشق.. حرب غير معلنة وقودها المدنيون المحاصرون

“تعتبر قضية “اختطاف” أو اعتقال المدنيين في المناطق
الخارجة عن سيطرة النظام واحدة من أهم المعالم المرَضية التي أصابت الثورة، وتشير بطريقة
أو بأخرى إلى حالة من الترهل داخل الفصائل العسكرية المختلفة، إضافة إلى الجمود
السياسي الذي تعاني منه القضية السورية دون أي اختراقات فعليّة كبرى. وكما هي عادة
الحرب بين الدول الكبرى أو الفصائل الصغرى، فإن المدنيين دائماً هم الخاسر الأكبر.
صدى الشام تسلط الضوء على قضية الاختطاف التي أضحت من مظاهر الحياة الاعتيادية
جنوب دمشق”.

مهند شحادة

أكد ناشطون أن أحياء ومناطق جنوب دمشق المحاصر باتت من أكثر المناطق التي
تشهد حالات اختطاف واختفاء للمدنيين، نتيجة الخلافات الكبيرة بين الفصائل العسكرية
“المتنازعة” التي تتقاسم السيطرة على تلك الأحياء والمناطق، وهو ما أضاف
مأساة جديدة لسجل المآسي الكثيرة لمعاناة الأهالي المحاصرين هناك، ولا ذنب لهم سوى
أنهم اختاروا البقاء والصمود في منازلهم رغم كل المذابح الممنهجة من قبل نظام الأسد.

انقسامات يجني النظام ثمارها

السيد أيمن أبو هاشم، رئيس الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين في الحكومة
المؤقتة، اعتبر أن “الأسباب التي أدت لانتشار الظاهرة ترتبط بشكل مباشر بالصراعات
المُركبة والمُعقدة في تلك المنطقة، بين الفصائل الثورية ذات الصبغة الإسلامية في غالبيتها،
وقوات النظام والميليشيات المؤيدة لها من جهة، وبين الفصائل بعضها البعض، لا سيما بعد
سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة” على الحجر الأسود
ومخيم اليرموك”.

من جهة أخرى، يضيف أبو هاشم لـ “صدى الشام”، أن “تلك الصراعات
تعكس بشكل واضح النزاع الحاد على النفوذ ومناطق السيطرة”. مبيّناً أن “أبرز
نتائج سياسة الحصار التي انتهجها النظام على امتداد العامين الماضيين، انتشار ظاهرة
أمراء الحرب، وثقافة الغلبة لمن يملك المال والسلاح، ما أدى لإشاعة الفوضى وتهشيم الأطر
المدنية في تلك المنطقة، وتهيئة المناخات لتنفيذ أجندات استخباراتية لأكثر من لاعب
إقليمي، عبر أدوات محلية ذات توظيفات وولاءات متعددة، وهو ما جعل من مناطق جنوب العاصمة
واحدة من أكثر البقع المتوترة والمُخترقة من داخلها”.

الأسباب التي أدت لانتشار ظاهرة الاختطاف ترتبط بشكل مباشر
بالصراعات المُركبة والمُعقدة في جنوب دمشق، بين الفصائل الثورية وقوات النظام والميليشيات
المؤيدة لها من جهة، وبين الفصائل بعضها البعض.

مصطفى الأحمد، ناشط إعلامي في مخيم اليرموك، أكد أن “حوادث الاختطاف
بحق المدنيين أو النشطاء أصبحت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية في أحياء جنوب دمشق المحاصرة،
وهو ما يعتبر ضربة كبيرة لمفاهيم الثورة”، موضحا أن “النظام، وعبر عناوين
وشخوص المصالحة، إضافة لتمدد تنظيم الدولة استطاع تكريس حالة الانقسام والصراع بين
الفصائل العسكرية المختلفة، ما جعل من جنوب دمشق أشبه “بكانتونات” متصارعة
ومنفصلة عن بعضها عبر حواجز شبيهة جدا بحواجز النظام”.

ويشير الأحمد إلى أن “التنظيمات الإسلامية ترى سكان مناطق المصالحات
كمرتدين، وتعطي لنفسها الحق باختطاف كل من يشتبه بأن له علاقة بأحد الفصائل هناك. وبالمقابل،
فإن الفصائل العسكرية داخل المناطق التي أبرمت هدنة مع النظام تنظر إلى التنظيمين (الدولة
والنصرة) كخوارج وعملاء للنظام، وفي النهاية لم يعد النظام هو العدو”، مضيفاً
أن “هذا يشكل أكبر انتصار للنظام على المستوى الذهني على الأقل”، بحسب
اعتقاده.

حوادث الاختطاف أصبحت جزء من تفاصيل الحياة اليومية في أحياء
جنوب دمشق، وهو ما يعتبر ضربة كبيرة لمفاهيم الثورة، حيث استطاع النظام تكريس حالة
الانقسام والصراع بين الفصائل العسكرية المختلفة.

إلا أن الناشط أبو مرام الجولاني من الحجر الأسود، اعتبر أن “قضية الاختطاف
هي حالة حرب غير معلنة بين تنظيم الدولة من جهة، وبين الفصائل العسكرية في مناطق يلدا،
ببيلا، وبيت سحم، من جهة أخرى”. مؤكدا أن “الجبهات وخطوط التماس هدأت مؤقتا
بين الطرفين، فباتت عمليات الاختطاف المتبادلة نوعا من الحرب الباردة دون رصاص، وقودها
المدنيون”، محملا المسؤولية لـ “شيوخ وشخصيات المصالحة، الذين سعوا وما زالوا،
لخلق الفتن في المنطقة تنفيذا لرغبات النظام”، على حد وصفه.

قضية الاختطاف هي حالة حرب غير معلنة بين تنظيم الدولة والفصائل
العسكرية في مناطق يلدا، ببيلا، وبيت سحم، فالجبهات وخطوط التماس هدأت مؤقتا بين الطرفين،
وباتت عمليات الاختطاف المتبادلة نوعا من الحرب الباردة دون رصاص، وقودها المدنيون
.

المدنيون هم أكثر المتضررين

لا توجد أرقام وإحصاءات دقيقة لأعداد المختطفين لدى التنظيمات العسكرية التي
تسيطر على مناطق الجنوب الدمشقي، إلا أن ناشطين من المنطقة أكدوا بأن حوادث الاختطاف
بلغت ذروتها يوم 7 آب الجاري، عندما أقدم تنظيم الدولة على اختطاف ما يقارب 30 شخصا
من منطقة يلدا كانوا داخل مخيم اليرموك.

أبو مرام الجولاني أكد أن “هذه العملية جاءت ردا على اختطاف الفصائل
العسكرية في مناطق المصالحات، وتحديدا فصيل “شام الرسول”، مجموعة من أهالي
الحجر الأسود بينهم طفل لا يتجاوز عمره 12 عاما، بتهمة أن عمه أحد أمراء التنظيم”،
موضحا أن “عدد المختطفين من حي الحجر الأسود وحده داخل مناطق المصالحات، تعدى
75 شخصا، في حين لم يتجاوز عدد الموجودين في سجون التنظيم من المناطق الأخرى، الثلاثين
شخصاً”.

ويلفت الناشط الإعلامي خلال تصريحات لـ “صدى الشام”، إلى أن “عمليات
الاختطاف أو الاعتقال التي تتم من قبل التنظيمات “المهادنة للنظام” غالبا
ما تكون عشوائية، في حين أن عمليات الاعتقال من قبل تنظيم الدولة منظمة عبر جهاز أمني
لا يقترب إلا من أولئك الذين يثبت انتماءهم لفصيل عسكري، ومتورطين بأحداث أمنية معادية
للتنظيم”.

من جانبه، يشير الناشط الإعلامي مصطفى الأحمد، إلى أنه “في كثير من الأحيان
فإن حوادث الاختطاف يقوم بها مرتزقة من الطرفين لعقد صفقات تبادل أو إطلاق سراح لقاء
مبالغ مالية. بمعنى آخر، هي عملية ابتزاز للأهالي، تماما كما يفعل النظام”.

رئيس الهيئة العامة للاجئين أكد بأن “النظام وتنظيم الدولة هما المستفيدان
الوحيدان مما آلت إليه الأمور في أحياء ومناطق جنوب دمشق. في حين يبقى المدنيون هم
الضحية الوحيدة”. موضحا أن “المتتبع أو المدقق في هوية الأشخاص الذين تعرضوا
للخطف أو الاغتيالات في أحياء جنوب دمشق، سيجد أن غالبيتهم من النشطاء الإغاثيين، ومن
شخصيات سياسية وأهلية ذات حضور مؤثر في المجتمع، وبالتالي فإن من سعى لإزاحتهم وتصفيتهم،
كان يريد أن يستتب له الأمر، وفي ذات الوقت أن يفرّغ المنطقة من العناصر التي ساهمت
إلى حد كبير في صمودها خلال الفترة الماضية”.

وتابع “لم يكن خافياً على أحد أنه منذ صعود نجم تنظيم الدولة في تلك
المنطقة، أخذت الصراعات تستعر، وبدأنا نشهد تقسيما جديدا للنفوذ بين القوى المتصارعة.
وترافق ذلك مع تشديد حصار النظام على أحياء المخيم والحجر الأسود، في مقابل إرخاء قبضته
على الأحياء المجاورة لهما، بهدف خلق شرخ اجتماعي بين أهالي المنطقة، والاستفادة من
سياسة الخطف والاغتيالات لإثارة الشكوك بين كافة الفرقاء، وزج الجميع في حرب طاحنة،
النظام هو المنتصر الوحيد فيها”.

المدقق في هوية الأشخاص الذين تعرضوا للخطف أو الاغتيالات في
أحياء جنوب دمشق، سيجد أن غالبيتهم من النشطاء الإغاثيين، ومن شخصيات سياسية وأهلية
ذات حضور مؤثر في المجتمع
.

دون أدنى شك، إن انتشار وتصاعد حوادث اختطاف أو اعتقال المدنيين خلف آثارا
ونتائج سلبية للغاية، سيما في ظل أوضاع مأساوية يعيشها المدنيون في المناطق المحاصرة
عموما، ما دفع بالكثير منهم إلى الهرب والخروج، رغم المخاطر المحدقة بهم على حواجز
النظام الأمنية والعسكرية، هذا إن استطاعوا إتمام إجراءات السماح بمغادرة المنطقة،
والتي ينبغي أن تمر عبر موافقة الطرفين؛ (النصرة وتنظيم الدولة) في الداخل، والنظام
في الخارج.

وفي هذا السياق، يقول أبو هاشم بأن “لهذه المظاهر والممارسات تداعيات
وتأثيرات خطيرة على السكان المدنيين بصورة أساسية، لأنها تفقدهم الإحساس بالأمن والأمان،
وتضعهم في حالة قلق وخوف لوجود من يهدد حياتهم، طالما أنهم متواجدون في منطقة تحكمها
قوانين شريعة الغاب. ولذلك نلاحظ أن ردود الأفعال الشعبية على جرائم الخطف والاغتيال
تتسم غالباً بالصمت والتردد في المطالبة بالكشف عن الفاعلين الحقيقيين، خوفاً من الانتقام.
وهذا واقع ينتج شروطاً غير إنسانية، لأنه يقوم على الاستخفاف بأرواح البشر، وسهولة
انتهاك حق الحياة دون أي رادع أو وازع، بل في كثير من الأحيان، أصبح الدين يستخدم كوسيلة
للبطش والتضييق، كما يستخدم النظام شعارات وطنية زائفة لفرض الحصار بغرض التجويع والتركيع.
الكارثة أن معاناة سكان تلك المناطق هي الآن ذات وجوه ووضعيات وأساليب متعددة”.

أحد الناشطين “الناجين” بأعجوبة من قبضة الخاطفين، الذين أصدروا
بحقه حكما بالإعدام، قال: “نجاتي من الموت أصبحت فرضية ضعيفة، لأن الموت يطاردنا
هنا في كل لحظة، حتى أصبحنا نفضله على الخوف الدائم من انتظاره المميت. لم أدرك حتى
اللحظة لماذا تم اعتقالي، ولماذا صدر بحقي “حكم الإعدام”. طبعاً، السؤال
المنطقي ينبغي أن يكون عمّن أعطاهم الحق في إصدار الأحكام واعتقال الناس لمجرد الشك
أو الاشتباه في القناعة أو الرأي الذي يتبنونه، لكن هنا لا مكان للمنطق”.

ردود الأفعال الشعبية على جرائم الخطف والاغتيال تتسم غالباً
بالصمت والتردد في المطالبة بالكشف عن الفاعلين الحقيقيين، خوفاً من الانتقام.

حلولٌ مستحيلة

يؤكد مراقبون بأن جنوب دمشق يحتاج أولا وقبل كل شيء، إلى فصل كامل بين الملف
العسكري والشق المدني والإنساني، بحيث يخضع الأخير بشكل كامل لإدارة وإشراف المجالس
المحلية والمؤسسات الإغاثية، بينما يبقى الملف العسكري بيد الفصائل العسكرية، وبالتالي
تنتهي الحساسيات وردود الأفعال، التي غالبا يدفع ثمنها أبرياء لا علاقة لهم بالحسابات
السياسية والعسكرية. إذ، وحسب رأيهم، فإن أحياء ومناطق جنوب العاصمة هي الأن أسيرة
واقع تتمثل عناوينه الرئيسية في حالة من الضياع بين مشروعين؛ الأول مشروع المصالحة،
والثاني مشروع تنظيم الدولة والنصرة، وهو الأخطر.

الكل يعلم بأن ما تسمى بالمصالحة ما هي إلا تمثيلية أجبر عليها الجنوب الدمشقي
بسبب الحصار، أما مشروع التنظيم والنصرة فهو مشروع حقيقي له أفقه وإمكانياته وتمدده.
وأخطر ما في الأمر أنه لن ينتهي بسقوط النظام، على حد وصفهم. والحقيقة المرّة أن ثوار
جنوب دمشق متشرذمون ومنقسمون، ولا حل في جنوب دمشق إلا بتوحّد الثوار ضمن رؤية واضحة،
واستراتيجية عمل محددة، وأهداف مشتركة.

يتوجب على الفصائل الفصل الكامل بين الملف العسكري والشق
المدني والإنساني، بحيث يخضع الأخير لإدارة وإشراف المجالس المحلية والمؤسسات الإغاثية،
بينما يبقى الملف العسكري بيد الفصائل المعنية.

رئيس الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين في الحكومة المؤقتة، أكد بأن “فرص
وضع حد لظاهرة الاختطاف، والأخطر سياسة التصفية والاغتيالات، محدودة جداً، في ضوء احتدام
الصراع بين داعش والنصرة من جانب، وبين بقية الكتائب المتواجدة في يلدا وببيلا وبيت
سحم والقدم من جانب آخر. والخشية فعلياً من سيناريو شبيه بما يقوم به النظام وحلفاؤه
في منطقة الزبداني، بحيث يتم استهداف أحياء المنطقة الجنوبية بحرب ضارية من قبل قوات
النظام، بعد أن تم استنزافها وإضعافها من الداخل، كي يتم استكمال سياسات التطهير السكاني
في سياق التغيير الديمغرافي لهوية المدن السورية، لا سيما أن الموقع الاستراتيجي لأحياء
جنوب دمشق مسألة جوهرية بالنسبة للنظام لسببين أساسيين؛ الأول هو الحفاظ على سيطرته
على ما تبقى من مناطق العاصمة، والثاني الاحتفاظ بأوراق للتفاوض في أي مشروع سياسي
مستقبلي ضمن خرائط الحلول التي تنضج في مطابخ السياسة الدولية”.

شاهد أيضاً

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

الطفل حسن دياب - انترنت

مجزرة الكيماوي: روسيا تكذب في لاهاي وتحتجز “الشهود” في دمشق

وفق ما جرت العادة في أروقة المجتمع الدولي خفت الصوت المنادي بعقاب المجرم بشار الأسد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ten − 9 =