الآن
الرئيسية / رأي / أعداء الثورة

أعداء الثورة

ثائر الزعزوع

أنتم أعداء الثورة… لعل الكثيرين سمعوا هذه
العبارة تقال في وجوههم من قبل بعض آباء الثورة أو أمهاتها لا فرق، وقد حمل بعضنا
الهم ثقيلاً على كاهليه لأن فلاناً من الناس اتهمه بأنه عدو الثورة فقط لأنه أبدى
رأياً يخالف معتقد ذلك “الأب الروحي”، الذي نصب نفسه بنفسه في ذلك
المنصب بقوة السلاح، وربما بقوة المال، وربما بوقاحته وقلة أدبه أيضاً. ويتحدث
أولئك الآباء والأمهات عن الثورة وكأنها ابنتهم التي يحرصون عليها ويمنعونها من
الاختلاط مع أي غريب كيلا يدنس شرفها، فلا يسمحون لأحد بانتقاد الثورة أو حتى
القول إنها أخطأت هنا أو أصابت هناك، وهم يصرون على أن الثورة بلا أخطاء، يعني هي
ثورة معصومة عن الخطأ، ويجب أن نتعامل مع أخطائها بوصفها حسنات، وإلا فإن تهمة
“عدو الثورة” ستلاحقنا إلى يوم الدين. يقال إنه في دولة ما، كانت تدعى
سوريا، كان ثمة حاكم ظالم يصف كل من يختلفون معه في الرأي بأنهم أعداء القضية،
وكان يتم معاقبة ذلك العدو بسجنه أو قطع رزقه أو حتى إجباره على الفرار خارج
البلد، وقد عاشت تلك البلاد ردحاً طويلاً من الزمن هكذا حتى خرجت فيها مظاهرة ضد
بطانة حاكمها الظالم، فاتهم المتظاهرون بأنهم أعداء فقتلوا، فصارت المظاهرة ثورة،
واستمرت الثورة سنوات، وكان جميع الذين خرجوا فيها يسمون أعداء الوطن. ولأن ذلك
الوطن كان أفضل أوطان الدنيا، فلم يكن يحق لأحد أن ينتقد أي شيء فيه، بل إن أحد
أتباع ذلك الحاكم قال مرة وعبر شاشة تلفزيون تلك الدولة، إن سوريا هي أفضل بلد في
العالم، وهي أفضل من تلك الدول التي تدعي كاذبة أنها تمتلك الحرية والديمقراطية،
وأقسم أن حقوق الإنسان في بلده في أفضل من كل بلاد العالم. وأما الثورة التي نتحدث
عنها وعن آبائها فقد نقلت تجربة تلك الدولة بتفاصيلها المملة والسخيفة، فانتقل
التخوين والاستعداء ليصير مقياساً، فلا يحق لك أن تقول إنك تعارض الفصيل الفلاني
مثلاً، لأنك بهذا عدو الثورة، ولا يحق لك أن تقول إنك تفضل كذا على كذا لأنك أيضاً
عدو الثورة، حسناً فمن هو صديق الثورة إذاً؟

دعوني أخبركم… منذ أيام خرجت مظاهرة رائعة في حي
القابون الدمشقي الثائر الذي لا يستطيع أحد أن يزاود عليه في ثوريته ولا في صموده،
وقد رفع المتظاهرون لافتات تهاجم أولئك الذين باعوا الثورة باسم الدين وباعوا
الدين لأجل النقود. قد لا نستغرب أن يظهر أحدهم ليقول إن أولئك القابونيين
الرائعين ليسوا سوى أعداء للثورة، وهم لا يعرفون ماذا يحدث في الغرف المغلقة ولا
ما يتم في الخفاء. حسناً وما الحاجة في أن يكون هناك غرف مغلفة؟ وما الحاجة أصلاً
لهذا الاحتيال على الناس الثائرين، والضحك على أحلامهم؟ إن كنتم لا تريدون الثورة فلماذا
خرجتم فيها أصلاً؟ لماذا لم تبقوا مع النظام وكان سيدفع لكم أكثر صدقوني، لأن
أولئك الذين يبيعون ضمائرهم يجدون دائماً من يدفع لهم، واسألوا على سبيل المثال لا
الحصر، الصحفي الفلسطيني عبد الباري عطوان، الذي استسهل البيع ووجد فعلاً من يدفع
له. المهم، أولئك الذين هاجمهم متظاهرو القابون هم أنفسهم الذين يطلقون صفة عدو
الثورة على كل من يطالبهم بمعرفة أين ذهبت قافلة المساعدات مثلاً، أو لماذا لم يتم
تزويد المقاتلين بالرصاص والأسلحة حين كانوا في حاجة إليه، أولئك هم الذين يتصدرون
المشهد، وهم الذين يلهثون لاستمرار هذه المقتلة السورية أطول فترة ممكنة لأنهم
يستفيدون كثيراً، لقد أتخموا، وصاروا يبيعون المساعدات، لقد أتخموا ولم يعودوا
راغبين بقتال قوات النظام لفك الحصار عن المناطق المحاصرة لأن الحصار يحقق لهم
مكاسب كبيرة.

نحن هنا لا نتحدث عن القابون، وكأنها استثناء، بل
إن الأمر يحدث في كل مكان تقريباً، وسواء أكان الحاكم نصرة أم سواها من أولئك
الذين يتحدثون بلسان الثورة، فالأمر سيان، لأن العبارة تتغير تبعاً لقائلها، فعدو
الثورة هو نفسه عدو الإسلام، وهو نفسه عدو السنة.

وبينما يبحث أبناء الثورة الحقيقيون عن ملاذ آمن أو
لقمة عيش، يتنعم آباء الثورة بكل شيء، وقد تحول بعضهم إلى رجال أعمال يتاجرون
ويبيعون ويشترون.

أخطاء الثورة كثيرة جداً، لكن لم يعد أحد يجرؤ على
البوح بها، كيلا يكون عدواً للثورة، لكن إلى متى سيظل الناس صامتين؟

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three + 15 =