الآن
الرئيسية / محليات / صدى البلد / أحمد والعيد

أحمد والعيد

حنين عتيق

يأتي العيد لابسا تاجه الفضي وعباءته الجديدة البراقة، يمشي خفيفا كي
يبقى حذاءه الجديد جديدا، يأتي وعلى ظهره سلة الألعاب وفي يديه صواني الكعك
المعجون بالبهجة والحب. يأتي العيد وكعادته، يفتش عنها كي يزورها أولا، فهو يحب
رائحة طبخها المميزة وشكل الكبة التي تعدها، ويشتهي كثيرا كعكها الذي كانت تزينه
بأصابع من حنان وترش عليه الكثير من الألفة والابتسامات، لتقدمه في الصباح
لعائلتها مع القبل والأغاني، ولتحيي به كل من سيقصد بابها. يأتي العيد ويتذكر وهو
في الطريق إلى بيتها الواقع في تلك المدينة التي عرفها التاريخ مذ عرف الإنسان،
يتذكر العيد في طريقه صوتها في العيد الماضي حين جلبت لأحمد ابنها البكر ذي السبع
سنوات، البدلة التي حلم بها واللعبة التي تمناها. حينها، خبأت الهدايا خلف ظهرها
وراحت تغني له:

إجا العيد وعايدنا

يا أحمد قوم ساعدني

يا أمي وثيابي جداد

واللعبة بعدا جديدة

بدي اركض ع العيد

يا بيي مسيك بايدي

إجا العيد وعايدني

يذكر العيد أغنيتها وصوتها ويدندن بها قبل أن يصل المدينة الأقدم على وجه
الأرض، لكنه يفرك عينيه ولا يصدق في البداية، يعتقد أنه شرد عن الطريق وأنه وصل
القنيطرة بدلا من حلب، لكنها رائحة حديقة السبيل تؤكد له أنه لم يخطئ. يسير في
شوارعها، يشهق كلما تلفت من زاوية لزاوية، ويحس أن قلبه أصبح بين قدميه. يصل بيتها
الذي يعرفه جيدا، فلا يجد البيت ولا يجدها، فقط يتعرف على زهور شرفتها التي هوت
وعلى بقايا من لعبة أحمد التي كانت تختبئ خلف ظهرها في العيد الماضي. يقف، يرتجف،
يسأل عنها، يقولون له لقد نزحت أم أحمد، لا يصدق، ثم يقول كيف ذهبت دون أن تأخذ
اللعبة؟ يترك البيت، يمسك روحه التي كادت تفر منه، ويقرر أن يتبعها للبلد المجاور
التي نزحت إليه. يسير العيد طويلا ويفكر كيف سارت هي وأولادها كل هذا الطريق، يتعب،
يتسخ حذاءه وعباءته من ركام المنازل الذي لا ينتهي، لكنه يقرر أن يصل إليها قبل
الصباح، فهو يعرف أنها كعادتها، ستنتظره طوال الليل. يصل البلد المجاور، يبحث عنها،
يستدل عليها مرة أخرى من رائحة كعكها، لكنها رائحة ناقصة. يلمحها من الشباك ويقرر
أن يقف قليلا قبل أن يطرق الباب ويفاجئها، هي الآن أمامه تحاول أن تعجن ما تبقى من
الطحين القديم، ولا آنية للعجين ولا صواني للشي، يراها تفتش في العلب القليلة
الموجودة في زاوية هذه الغرفة، الزاوية التي تحولت لشبه مطبخ لا يمتلك من المطبخ
إلا صنبور الماء، يراها تجد القليل من السكر والقليل جدا من السمن وملعقتين من
الحليب الجاف، ثم تدق بعضا من حب اليانسون وكأنها تدق معه عمرها كله وأحلامها،
يراقبها ويذكر كم كانت تحب أن تزين كل شيء حولها، كل شيء، الحديقة الصغيرة، غرف
بيتها الجميل، مطبخها الواسع، مائدتها والزهور التي لا تفارقها، أطباقها التي
تعدها، وكعك عيدها. يذكرها جيدا ويفتش في ملامح المرأة التي تدور وتدور الآن تفتش عن
كل شيء ولا تجد إلا القليل القليل مما تريد والكثير من القهر، ثم تقطع عجينها،
ترقه كي يصبح كعكا، وتشويه على نار هذا الفرن القديم وعلى حطب حياتها، تترك الكعك
في الفرن وتذهب لتتأكد من غطاء طفليها. ينظر العيد جيدا ولا يجد إلا طفلا واحدا
نائما، يغير وضعيته في الشباك لعله يجد أحمد في زاوية من الغرفة لكن لا أحد.
يراقبها وهي تقطع الغرفة جيئة وذهابا ثم تقترب من بقايا خزانة صغيرة في الزاوية،
تفتحها وتخرج منها بدلة أحمد المعلقة، يشهق العيد فهو يعرف البدلة جيدا، البدلة
التي كانت خلف ظهرها في العيد الماضي. تمسك أم أحمد البدلة تقربها إلى صدرها تحف
قلبها بها، تصرخ ثم ترفعها وتقربها إلى أنفها، تشمها، تقرب ياقة القميص من عينيها
وتلوح برأسها وتشهق. عندها، يبتعد العيد عن الشباك، يحس بأن كبده ينكسر، يخلع عنه
تاجه الفضي وعباءته المزركشة.. حذاءه.. بدلته الجديدة، ويعود قبل أن يطرق أي باب،
عاريا وصوت أم أحمد ونواحها يغطي السماء:

إجا العيد وعايدني

يا أحمد قوم ساعدني.

شاهد أيضاً

بعد درعا.. قوات الأسد تهاجم القنيطرة

هاجمت قوات الأسد والميليشيات الموالية لها فجر اليوم الأحد، محافظة القنيطرة، بهدف السيطرة عليها، وذلك …

النظام يسيطر على معظم الحدود مع الأردن

سيطرت قوات النظام السوري، مساء اليوم الأحد، على معظم الشريط الحدودي مع المملكة الأردنية، في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

four + 13 =