الآن
الرئيسية / رأي / مرحلة جمود سوري أخرى

مرحلة جمود سوري أخرى

عبد
القادر عبد اللي

لم
يعد خافياً على أحد الدور التركي والأردني في أي حركة عسكرية أو تقدم تحققه
المعارضة المسلحة ضد النظام. وباتت تركيا هي الرئة التي يتنفس منها السوريون…

هذا
الأمر جعل السوريين ينتظرون نتائج الانتخابات التركية العامة التي جرت مؤخراً
بفارغ الصبر، وفي النهاية خرج من الانتخابات مشهدٌ عاتمٌ جرت له توصيفات كثيرة،
لعل أقربها إلى الواقع “فوز غير كامل لحزب العدالة والتنمية”.. وهذا ما
سيؤثر إلى حد ما على مجريات القتال في سورية…

يبدو
أن تشكيل الحكومة في تركيا لن يكون سهلاً، وإذا كانت وسائل الإعلام العربية قد
تناولت أخبار تشكيل الحكومة على محمل الجد، فهذه أيضاً يبدو أنها فهمت اللعبة، ولم
تعد تنقل هذه الأخبار، لأن الحكومة التي تعلن الصحافة التركية عن تشكيلها صباحاً
يمكن أن تصمد حتى الظهر، وعلى أبعد تقدير إلى ما قبل الإفطار، حتى إنه أعلن عن
حكومات لا يمكن أن تشكل لأنها لا تمتلك نصف مقاعد البرلمان، مثل حكومة من حزبي الشعب
الجمهوري والحركة القومية.

إنها
المرة الأولى التي يعتبر فيها تشكيل الحكومة التركية أمراً إقليمياً ودولياً
مهماً.

من
الناحية الإقليمية يبدو المشهد غريباً، فها هي المصالح الإسرائيلية والإيرانية
تتفق على حكومة معينة. فقد احتفت الصحف الإسرائيلية بفقدان حزب العدالة والتنمية
النسبة المؤهلة لتشكيل حكومة وحده، وأعلن أكثر من مسؤول إسرائيلي بأن الخيار
الأفضل لإسرائيل هو حكومة تركية لا يشارك فيها حزب العدالة والتنمية. واعتبرت أن
حكومة من هذا النوع يمكن أن تفتح صفحة جديدة في العلاقات التركية الإسرائيلية.

على
جبهة أخرى، فعلى الرغم من وصول حجم التبادل التجاري بين تركيا وإيران في ظل حزب
العدالة والتنمية إلى 13,5 مليار دولار، وهو لصالح إيران، إذ تشكل الصادرات
الإيرانية (أهمها الغاز الطبيعي) 9 مليار دولار منها، إلا أن الاحتفالات عمت
الشوارع الإيرانية مساء يوم الانتخابات التركية وإعلان أن حزب العدالة والتنمية لم
يحظ بالغالبية البسيطة التي تؤهله لتشكيل الحكومة وحده. ولا يخفي الإيرانيون أيضاً
رغبتهم بتشكيل حكومة من الأحزاب الثلاثة خارج حزب العدالة والتنمية.

لا
يخفى أن هناك عوامل كثيرة تلعب دوراً بهذه المواقف. فإسرائيل فقدت حليفاً مهماً في
المنطقة. وعلى الرغم أن عودة تركيا إلى العلاقات السابقة مع إسرائيل أمر شبه
مستحيل بالعدالة والتنمية أو من دونه، ولكن كثيراً من المحليين السياسيين
الإسرائيليين اعتبروا أن تشكيل حكومة خارج العدالة والتنمية ستلعب دوراً مهما
بتطبيع العلاقات بين البلدين.

لا
يبرز الإسرائيليون العامل السوري في رغبتهم بتغيير حكومة العدالة والتنمية،
ويعتبرون أن دفاع حزب العدالة والتنمية عن الحقوق الفلسطينية هو العامل الرئيس
برغبتهم في التخلص من حكومة هذا الحزب. ولكن الإيرانيون لا يخفون هذا الجانب،
ويأملون بتراجع الدور التركي في سورية، ليتاح لهم المجال أكثر. ولعل الوعود التي
يطلقونها بتطورات “تذهل العالم” في سورية، تعتمد على هذه الرغبات.

مع
الأسف، إن السوريين باتوا لا حول لهم ولا قوة. فهم صامتون ينتظرون، وغالبيتهم تحسد
الشعب التركي على ما وصل إليه من إمكانية التغيير عبر الصندوق، ولكنهم غير ممتنين
من هذا التغيير.

المؤشرات
كلها تقول إن تشكيل الحكومة لن يكون سهلاً، هذا على الرغم من وجود سيناريوهات
قريبة من المنطق، وقابلة للتحقيق، وأهمها حكومة العدالة والتنمية وحزب الحركة
القومية. ولكن هل ستقف القوى الخارجية مكتوفة الأيدي إزاء هذا التشكيل؟

صحيح
أن الحكومات الائتلافية يمكن أن تفسح المجال لحرية أكبر، وتمنع الحزب الوحيد من
التفرد في الحكم، ولكن هذا النوع من الحكومات أيضاً كثيراً ما يكون عرضة للضغوط من
الخارج. وكثيراً ما تؤثر هذه الضغوط على قرارات الحكومة.

القضية
الأهم هي أن الاقتراح المتاح حالياً هو تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة
القومية، ومن المسلم به أن هذا التحالف سينهي عملية السلام التي بدأتها الحكومة
التركية مع الأكراد. وتوقف هذه المرحلة يعني احتمال بدء صفحة جديدة من التحرك
الكردي في تركيا، وهذا ما سيشغلها كثيراً، ومن الممكن ألا يجعل حياة الحكومة
الائتلافية طويلة…

مهما
يكن، لا بد من الاعتراف أن مرحلة جديدة قد بدأت في تركيا، وستكون الحكومة التركية
الجديدة إن تشكلت، مشغولة بنفسها. والأحزاب المشكّلة لهذه الحكومة أيضاً ستنشغل
بنفسها أكثر، وتجري مراجعاتها. وهناك قضايا داخلية كثيرة ستشغل الحكومة التركية في
المستقبل القريب، وهذا كله سيؤدي إلى تراجع الدعم عبر الأراضي التركية للمقاتلين
السوريين. وكما هو معروف، فإنه عند تراجع الدعم، تتراجع التطورات على الأرض… وفي
الأحوال الجيدة تتجمد.. والتجمد يعني مزيداً من الزمن، ومزيداً من المآسي،
وإزهاقاً لمزيد من الأرواح…

شاهد أيضاً

جلال بكور

“كذبة” انسحاب إيران من سوريا

هل إسرائيل تريد لإيران أن تخرج من سوريا؟ أنا لا أعتقد ذلك لأنه ليس من …

سورية.. والعدالة الانتقالية قبل وقف الحرب

الدول التي لجأت إلى مسارات العدالة الانتقالية، لتسوية ذيول أزمات فيها، فعلت ذلك بعيد انتهاء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 2 =