الآن
الرئيسية / تحقيقات / طائفيّة النظام في حمص حينَ أعلنَ الأسد الجهاد.. وبدأ المجازر

طائفيّة النظام في حمص حينَ أعلنَ الأسد الجهاد.. وبدأ المجازر

ريم الحمصي

فور اندلاع شرارة الثورة، علم النظام أنها ثورة حرية وكرامة، فدفع الغالي والنفيس
كي يظهر للمجتمع الدولي أنها ثورة أموال قطر وأطعمة وحبوب بندر. وبعدها أراد أن
يُغرق البلاد بكافة طوائفها بحروب دينية، فافتعل المشاكل الطائفية من حمص، عاصمة
الثورة، علّه يخرج من مستنقع النهاية خاليا من الخسارات، ولو كان على حساب طائفته.
فأراد ربط بقائها ببقائه، فبِهِ تحيا وبدونه لن تكون ..

منذ أحداث
الإخوان المسلمين في الثمانينات، والتي رأى البعض أن دوافعها كانت طائفية واجتمع
الكل على أن ردّ النظام كان طائفياً أيضاً، وحتى الآن، يسكن الأقليات الدينية
اعتقادٌ بأن الإخوان يمثلون السنّة، وأن النظام يحمي الأقليات، وهو يمثل العلويين.
وبالتالي فإن التغيير يعني حكم الأغلبية السنية، بممثليها الإخوانيون، وبما سيقومون
به من إبادة وإقصاء وأسلمة. هذا الخوف هو ما حكم موقف تلك الأقليات المسبق من
النظام ومن الثورة، فبادر النظام بمحاولة تطييف الثورة بكافة نشاطاتها وتفاصيلها،
والبداية في قصة إعلان الجهاد بمدينة حمص.

الشرارة
من حمص

ملأ المعتصمون
ساحة الساعة، يوم 18 نيسان 2011، وهتفوا بإسقاط النظام. راقبت الأجهزة الأمنية
الاعتصامَ دون تدخّلٍ، بينما أعدَّ النظامُ الدسائسَ لمعالجة الأمر. فبعد ساعات
قليلة، أعلنت وزارة الداخلية عبر وسائل الإعلام الرسمي بيانها العجيب عن مجموعات
سلفية متطرفة في حمص. تلقى الموالون في حمص (أغلبهم علويون ومسيحيون) البيانَ بخوف،
وهم مذعورون أصلاً من التغيير، لأنهم اعتقدوا أنه يعني فناءَهم، حسب تعبير الناشط
أيمن المشارك في الاعتصام، والذي ينتمي إلى البيئات الموالية.

في اليوم
المذكور، والذي اشتُهِر بيوم “اعتصام الساعة”، كان هناك مشهد آخر في
الأحياء الموالية؛ فمع “بدءِ النظام بتنفيذ مجزرة الساعة بعد منتصف الليل،
بدأت مكبّرات الصوت تصدح في حمص مناديةً: إلى الجهاد. هذا ما كان ينقص الموالين
حتى يعادون الثورة والثوار!”. يضيف أيمن أن “حالةً من الهيستيريا سادت
تلك الأحياء منذ لحظة الجهاد تلك، وبات العقلُ البسيط المرتعشُ رعباً يصدِّق قصصاً
وإشاعات لا يمكن تصديقُها، ويقتنع بروايات الإعلام السوري عن تقطيع الأوصال، وعن
أن ما تبثُّه قنوات الإعلام التي سمّاها بـ “المغرضة والشريكة في سفك الدم
السوري”، كلّه تلفيقٌ وكذب. وبالطبع، النظام هو من أعلن الجهاد إكمالاً لروايته
عن سلفيي حمص، وليس المعتصمون”، حسب أيمن.

بداية
الحكاية

يرى أيمن أنّ “يومَ
الجهادِ هذا شكّل بداية الاحتقان ضد الثوار من قبل الموالين، والذي أخذ طابعاً
طائفياً في الفترة الأولى، مع إشاعة النظامِ وإعلامه عن مجازر طائفية، وعن اختطاف
نساءٍ، ومع تمثيليّات السيارات المحمَّلة بالأسلحة والدولارات والتي يقودها “مندسّون”
من جنسيات عربية أرسلها المتآمرون، بندر والحريري وآل سعود وحمد… ولم يكن
العرعور قد انضم إلى ركب الثورة يومَها”، حسب أيمن، والذي يرى أن “خطاب
العرعور الطائفي قد خدم رواية النظام عن طائفية الثورة كثيراً”. وفوق كل هذا
الذعر، بدأ إعلامُ النظام يصبُّ الزيت على النار؛ فلم يكن الإعلاميون السوريون
معتادين على الكلام الطائفي، لذا استعانوا بمنظري الحروب الأهلية من لبنان، وهم
لديهم باعٌ في التحريض الطائفي. فقالوا بإمارة سلفية في حمص، ودعوا الموالين إلى
ارتداء البدلة العسكرية ومحاربة “التكفيريين”.

بدأ التطوع في ما
سمي اللّجان الشعبية أو الشبيحة. أسماءٌ معروفة بعلاقاتها الأمنية هي من شكّلت هذه
اللجان، بعضُها أعضاءٌ في مجلس الشعب. لم يكن من بينها رجال دين، سوى من استجلبهم
النظام من جبل محسن في لبنان، ومنهم أبو حيدر الشيخ المشهور بطائفيته وإجرامه. أحد
رجال الدين العلويين، ويدعى الشيخ ياسين، وهو رجل له كرامة بين الناس، أصدر فتوى
بتحريم شراء المسروقات من الشبيحة، وقام بعض الشباب العلويين بحملة توزيع لتلك
الفتوى. هذا الشيخ هوجم من الشبيحة واعتدت نساؤُهم على زوجته، فاستطاعت أجهزة
الأمن أن تخمد صوته.

استغلال
النظام للعلويين

قبل الثورة، كانت
المناطق الموالية، كأحياء الزهراء والأرمن والمهاجرين ووادي الذهب، تشارك الأحياء
التي ثارت في الفقر وارتفاع نسبة البطالة، كحي دير بعلبة والبياضة وعشيرة
والنازحين. مَنعَت فَرَماناتُ محافظ حمص السابق، إياد غزال، “البسطات”
في مركز المدينة، وهي الوسيلة التي كان يقتات منها الفقراء في هذه الأحياء. انتفضت
أحياءٌ في وجه النظام، وانكفأت أحياء. وجاء التهييج الطائفي الذي قام به النظام،
ليجعل من الأحياء الموالية منبعاً للشبيحة، ووسيلةً لردع جيرانهم المتظاهرين. يرى
ناشط آخر، فضل عدم ذكر اسمه أنّ “النظام استغلّ عوَزَ العاطلين عن العمل، وقدّم
لهم رواتب، ثم أغراهم بسرقة الأحياء المجاورة، وذلك وفق خطّة مدبّرة”.

حسن، شاب علوي
فقير من حي الأرمن، عُرف بلا طائفيته في الحي، وحافظ على علاقاته الجيدة مع جيرانه
السنة، وقدم لهم الحماية من اعتداءات بعض الشبيحة، لكن فقره جعل العملَ بالتشبيح
يغريه؛ وبالفعل انتسب إلى إحدى المجموعات، وصار اليد اليمنى لزعيمها، وتمكّن من الزواج
وامتلاك منزل وسيارة وامتلاك سلطة في الحي.

تواردت
روايات كثيرة، ومنذ السنة الأولى للثورة، عن أمهاتِ وأخواتِ من قُتلَ من الجيش
والأمن والشبيحة، وهي تشتم رئيس النظام وحاشيتَه في مجلس العزاء. لكنها ظلت حوادث
فردية، إلى أن تضاعف عدد أولئك الضحايا في السنتين الأخيرتين، حتى لا يكاد يخلو
منزل من فقيد أو أكثر. هنا صار موقف الأمّهات جماعياً واضحاً وعفوياً، بمنع
أولادهن من الذهاب إلى الخدمة العسكرية.

حوادث
طائفية تقصّدها النظام

قسّم النظام منذ
البداية أحياءَ حمص، وبات سكان الأحياء الموالية لا يعلمون أخبار سكان مثيلاتها
الثائرة، بل ولا يصدّقون ما يسمعونه عنها من روايات حصلت، معتبرين أن كل ما يقال هو
تلفيق من قبل الإعلام. يقول الناشط أيمن أنّ “هناك إدانةً واضحة للانتهاكات
الطائفية التي قام بها شبيحةُ النظام في الأحياء الموالية، ومنها المجازر التي نُفِّذَت
في شارع الستين، ومقتل بعض العائلات السنية، وتكسير المحلات التي يملكها سنة في
الحي. تتقاطع روايات أهالي الحي حول أن من قام بتلك الجرائم لم يكونوا أشخاصاً
معروفين وربما انضم لهم بعض المتطرفين من الحي، وأنهم كانوا يحملون قوائم بأسماء
المحلات المقصودة، والتي ينتمي أصحابُها إلى أحياء حمص الثائرة”. يعتقدُ
النشطاء الذين التقينا بهم أنّ تلك القوائم أُعِدَّت في المراكز الأمنية، ويرى
أيمن أن “الغرض منها عقابي، فقد استثنت محلات السنة الذين يقطنون الحي”.
ويروي الأهالي أنهم حاولوا الدفاع عن بعض المحلات دون جدوى، وأنّ البعض منهم قام
بتخبئة سنة كانوا في الحي، أيام حدوث مجازر طائفية في شارع الستين، والتي كانت تتم
بحماية أمنية تماماً، حسب رأي النشطاء في الحي.

ترى الكاتبة
الماركسية ريمة، والتي تنشط ضمن ائتلاف اليسار السوري، وقد قدمت نفسها باسم مستعار
بسبب نشاطها في الداخل، أنّ الإعلام بالغ في تصديق القصص الطائفية، وصادق على
الفيديوهات، التي سرّبها النظام (عمداً)، حول السلوك المتطرف لبعض شبيحته. فالواقع،
حسب ريمة، يقول بقصص أخرى أيضاً. ففي حيِّ الأرمن، والذي ظلّ فيه اختلاطٌ طائفي، وجدنا
أم سالم، وهي امرأة علوية فقدت ابنها المجنَّد في جيش النظام، تجلس مع جارتها أم
أيسر، وهي من عشيرة الفواعرة، وهي الأخرى لا تعلم شيئاً عن مصير ابنها المعتقل لدى
مخابرات النظام، وتتبادل المرأتان الآهات والدموع على جرحهما المشترك، وتتحسران
على أيام الجيرة التي خلت. وسمعنا أيضاً قصّةً أخرى عن شبيحة أرادوا الاستيلاء على
أحد المنازل التي يسكنها سنة، وألقوا عليها القنابل التي تأذّى منها كلّ الجوار، وسط
استنكارٍ وعجزٍ. ترى الكاتبة ريمة أن العقل الطائفي يتلقى القصة الأولى بالاستغراب
ويصفها بالاستثناء، رغم أنها قصة عادية بالنسبة إلى سكان الحي، والقصة الثانية
بالقول إن العلويين يهجّرون السنة، رغم أن النظام هو المفتعل.

ومناطق الموالين هذه استقبلت مهجّرين من حلب والرقة ودير
الزور، دون حساسية طائفية. لكن حساسيةً وخوفاً في الذاكرة منعتْها من إيواء مهجَّري
حمص من السنة.

اللعب
على وتر الجهاد

وترى الكاتبة
ريمة أن “النظام عجز عن كسر الثورة، فقرّر اتخاذ خطوات عملية لتطييفها كلياً؛
فأخرج الإسلاميين من سجونه بمراسيم العفو، كما هو معروف، ورفدوا مجموعات سلفية
صغيرة لم تكن فاعلة من قبل”. وتضيف بأن “التمويل الإقليمي قد ساهم في
ذلك”.

فتعاظمت الطائفية
وسيطرت على الثورة في مناطق عديدة، وحاربت الجيش الحر وطردت النشطاء من مناطقها.
وكان نموذج تنظيم “داعش”، بممارساته من تكفير وقطع رؤوس وحرق… وبخطابه
عن الأسلمة، هي ما أراده النظام للثورة، حسب وصف الكاتبة ريمة، التي ترى أنّ “مخاوف
الأقليات الدينية باتت حقيقية، وليس أمامهم سوى البقاء في صف النظام، كما خطط
الأخير، وإلا فهم فانون”. وتضيف بأن “الأمر أخذ شكلاً آخر، فقد أدرك
هؤلاء أنهم فانون أيضاً ببقاء النظام، وامتنعوا عن الالتحاق بصفوفه، فيما ينتظر من
بقي في صفِّه موتَه، أو نهايةً ما للحرب الدائرة، حيث لا قدرة له على الانشقاق.
فالثورة توقّفت عن استقبال المنشقّين”، حسب وصفها. وتضيف: “ما زاد الطين
بلّةً طائفيةً أن النظام استحضر حزب الله، ذو العقيدة الجهادية الشيعية، في القصير
ثم يبرود والغوطة”.

مهران، عقيد في
جيش النظام في حلب، يقول لدى زيارته لأهله في حمص أنه “يتمنى لو أن حلب تسقط من
يد النظام ويرتاح من العودة إليها”، ويضيف أنه “لا فائدة من القتال سوى
المزيد من الضحايا، وأنه لا يستطيع الهروب أو الانشقاق”.

التعاطي
الخاطئ للمعارضة مع الطائفية

ترى الكاتبة ريمة
أنّ “معارضي النظام من المثقّفين والنخب السياسية في التشكيلات المعارضة، لم
يدركوا دورَ النظام الحقيقي في المسألة الطائفية، فقد استسهلوا كلاماً عامّاً
يوافق الصورة الطائفية التي أرادَ إظهارها، وهي أنه نظامٌ علوي، وأن الطائفة هي من
يحكم. والتقطوا تطييفه للثورة ولمواليه بردود فعل عشوائية”. وتضيف، في تحليلها
لبنية النظام، أن “هؤلاء لم يفهموا حقيقة أنّ النظام الذي أعلن الجهاد في
2011، ثم عمل على زرع الجهادية السنية في الثورة، والذي دعا
مؤيديه من السنة إلى الجهاد في صفه عبر مفتيه حسون، ما هو إلا نظام شمولي يسعى إلى
حماية سلطته، مستغلاً الطائفية في مناطق تواجد الأقليات، كحمص وبانياس والسويداء
وغيرها، ومستغلاً التهميش والعشائرية في مناطق أخرى، كحلب ودمشق ودير الزور… وأنه
نظام قائم على حكم عائلات محددة، وإن كانت علوية الأصل، إضافة إلى شريحة من
المرتبطين بها، من تجار وقادة أمنيين”.

وفق الوقائع
والتحليلات السابقة، تأتي المعالجات المطروحة من قبل تلك المعارضة للمشكلة
الطائفية خاطئة؛ فبعضُها يدعو إلى الانتقام الطائفي من الطائفة العلوية، وأخرى تَشمتُ
بهم. ولعلّ أخفَّها لهجة، تلك التي تقول بطمأنة العلويين والأقليات عبر التمثيل
الطائفي.

شاهد أيضاً

الدمار في مخيم اليرموك - AFP

نظام الأسد يقدّم الخدمة الأكبر لإسرائيل

نجح نظام الأسد في تحويل فصائل “المقاومة” الفلسطينية إلى قتلة مأجورين في سوريا تحت راية …

ناشطون يطالبون بمحاكمة المجرم - انترنت

تقرير: أدلة تثبت تورط النظام في الهجوم الكيميائي على دوما

نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها “أدلة وتحقيقات إضافية”، قالت إنها “تثبت غالباً …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three + six =