الآن
الرئيسية / مجتمع / حديثي مع أم إياد … أمرّ من القهوة السادة

حديثي مع أم إياد … أمرّ من القهوة السادة

مؤمن
سراج الدين

“كانت
أشعة الشمس تتسلل عبر ثقوب تطريزات ستائر غرفة النوم، في مشهد اختلطت فيه زقزقة
العصافير مع أصوات القصف على أحياء في الريف الدمشقي، لم أكترث. أكملت طريقي
لأحتسي فنجاناً من القهوة الوسط، لكن حينها لم أجد السكر فأعددتها قهوة سادة، كان
طعهما مرّاً كأيام السوريين، غير ذلك لم يكن من مؤشرات تنبئ بالكارثة التي ستحل
بي”.

هكذا
بدأت أم أياد حديثها إليّ، ثم أجهشت بالبكاء. أمّا أنا فبالكاد تمالكتُ نفسي
والتزمتُ الصمت. ولكني لا أنكر في ذلك الوقت ما أصابني من أسى وحزن عميق. تتابع: “ذهبتُ إلى المطبخ لأخرج بعض
البامياء المجففة المفضلة لدى ابني إياد، أنهيت أعمالي المنزلية وبدأت بإعداد
الطعام كي يكون جاهزاً مع عودته من المدرسة. لا بدّ أنه سيكون جائعاً بعد يوم طويل.
لم يأت إياد في الوقت المحدد له، لم أكترث كثيراً فهو يتأخر نحو نصف ساعة عندما
يكون مع أصدقائه، ولكنها تجاوزت الثالثة ولا يجب أن يتأخر أكثر. بقلق كنت أرقب
عقارب الزمن وهي تتحرك بتثاقل وبطء لم أعهد له من مثيل”.

في
غرفة تشرق بألوان زاهية، جلسنا أنا وأم إياد نحتسي قهوة مهيلة بطعم الحنين. ومع
أول رشفة سرعان ما تبدلت الصورة لتصبح أكثر قتامة، في حين غابت كل ألوان الحياة
ليطغى اللون الرمادي على المشهد، لحظتها فقط شعرت كم كانت مرّة قهوتها.

ثم
ماذا حدث؟ “عند الساعة الخامسة مساء ذلك اليوم، رن الهاتف، خاب ظني … لم
يكن إياد، بل أحد أصدقائه. كان صوته متهدجا وكلماته مبعثرة، أخبرني أنّ رصاصة قناص
حاقدة أطفأت جذوة الشباب في روح ولدي إياد، وأنه لفظ أنفاسه الأخيرة مع هتافات
الحرية التي صدحوا بها في مظاهرة خرجوا بها بعد المدرسة في حي الميدان
الدمشقي”.

“كالصاعقة
حل الخبر، وبضبابية وحيرة كنت أسأل نفسي.. لماذا وحيدي إياد؟ لماذا وأنا التي بات
لي لقبين ولا أمرّ؟ أرملة وثكلى. لم يخطر لي، ولا حتى بأبشع كوابيسي، أن يحدث معي
هذا. لطالما كنت أظن أني متفرّجة وحسب، ومع استشهاد ولدي أصبحت في قلب الجرح
والحدث”.

“مشاعر
كثيرة تنتابني في كل مرة أنظر فيها إلى صوره، وأفكر بأني لن أستطيع بعد اليوم أن
أشمه وأضمه إلى صدري. أشعر بحجم الفراغ الذي يشعر به أولئك المكلومين مثلي، من
أهالي الشهداء والمعتقلين، ليزداد معه حقدي على النظام الذي اغتال ما تبقى لدينا
من فرح. قد يكون من الصعب تقبّل الموت، ولكنه يشكل جزءاً من الحياة شئنا أم
أبينا”. جاهدت منى لكي تنطق عبارتها تلك ببعض الثبات والقوة، إلا أن غصة
الألم كانت واضحة في نبرة صوتها وقسمات وجهها الباهتة التي اتشحت بالحداد.

أضافت
“لم أستطع تحمّل البقاء في المنزل بعد رحيله، كان طيفه يحوم في المكان،
ورائحة عطره تستبد بذاكرتي مع ابتسامته التي كانت لا تفارق وجهه ذي السبعة عشر
عاماً حباً وقرباً وأملاً وانتظاراً. المنزل بعد رحيله باتت تخيم عليه رهبة الموت؛
لا أحاديث، لا اجتماعات سرور، لا صخب ولا ضحكات، حتى الأزهار على الشرفة ذبلت
واختفت ألوانها”.

“بعد
أشهر، وفي محاولة يائسة لانتشالي من الحزن، سافرت للعيش مع أحد أقاربي في اسطنبول،
بعد أن أقنعني بأن محاولة الحياة من جديد ستكون أسهل بعيداً عن الرائحة والذكريات،
وعن صوت سميح شقير الذي أحببته بسبب إياد. أريد أن أكون قوية.. ولكن أين عساني أجد
الأمل وأنا أرى تفاصيل وجهه في كل مكان وهو كالقلب يسكن دائماً في الأحشاء؟ أمني
نفسي بالصبر وأنا أتجرع مرارة القهوة كل يوم، تماماً كتلك التي شربتها صباح ذلك
اليوم المشؤوم”.

لم
تملك أم إياد هنا أن توقف مطر عينيها، وأنا أيضاً لم أستطع تمالك نفسي وأنا أرى
صورة لها تجمعها مع ابنها إياد. رأيت صورنا جميعاً فيها، هناك في شريطها الأسود
ومرارة المشهد التي تشبه القهوة السادة!

شاهد أيضاً

يونيسف: سوريا من أكثر المناطق خطرًا على الأطفال

ذكرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أنه من بين كل ستة أطفال في العالم، هناك …

محامون يطلقون مشروعاً لتوثيق عقارات السورييّن

خلال سنوات الثورة تعرض آلاف السوريين للتهجير من منازلهم بفعل العمليات العسكرية التي شنها نظام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + 18 =