الآن
الرئيسية / رأي / الفيدرالية والبامية الديرية

الفيدرالية والبامية الديرية

ثائر الزعزوع

شهد الأسبوع الماضي صراعاً من نوع مختلف بين السوريين. حسناً، لا شك أن
الجميع تابعوا بقلق ذلك التبادل للاتهامات بين العرب والكرد، كل قوم بما لديهم
فرحون، وارتفع معدل الشعور القومي إلى أعلى مستوياته بين المتصارعين. السبب تلك
الأخبار التي جاءت من الجزيرة السورية، والتي لم تنقلها لمشاهديها قناة الجزيرة
القطرية، فالكرد المنتصرون بدحر داعش قاموا بطرد العرب من قراهم، قالوا إن العرب
كانوا حاضنة شعبية لداعش. حسناً، هذا الكلام غريب عجيب، فقد أعملت داعش سيوفها
وخناجرها في أعناق العرب، فقتلتهم فرادى وزرافات. وصفت إحدى وسائل الإعلام الغربية
الأمر بالتهجير، وقالت إحدى القنوات الأميركية، وننقل على ذمتها، إن ما يحدث هو
جريمة ينبغي عدم السكوت عليها، والحقيقة أن لا أحد سكت، فقد تصدى للموضوع عشرات
الصحفيين فكتبوا، وشجبوا، وكشفوا، حتى وصل الأمر إلى حالة من الحرب الكلامية.
عشرات بل مئات الصور التي انتشرت عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي،
شهادات حية، بكاء ودموع، كل هذا رد عليه الطرف الآخر بأنه كذب. هاتوا دليلكم،
قالوا وهم يوجهون الاتهامات للطرف الآخر بأنه قومجي، ناصري، عفلقي. قال أحدهم لا
حل إلا بالفيدرالية. أنتم في حالكم ونحن في حالنا. هل يبدو الأمر مثيراً
للاستغراب؟

نعم على ما يبدو…

دعونا نفكر بالفيدرالية قليلاً، ولم لا؟ هي مجرد أفكار، وكلام.

للتوضيح قبل أي شيء، الفيدرالية ليست نظاماً سياسياً بقدر ما هي نظام
إداري، وهي ليست انفصالية، بل هي اتحادية. جميع الفيدراليات في العالم، تضع الوحدة
في مسماها، هل نضرب لكم الولايات المتحدة الأميركية مثلاً؟ لا لا فهذه دولة
استعمارية، حسناً، الاتحاد السويسري، الإمارات العربية المتحدة. هل نستطيع أن نضيف
لاحقاً الجمهورية السورية الاتحادية؟ يبدو الاسم لافتاً، ولم لا؟

لكن مهلاً، مهلاً..

هل سقط النظام بعد؟ لا، في الحقيقة طائرات النظام ما زالت قادرة على
إلقاء البراميل المتفجرة فوق مدننا وقرانا، ما زالت المأساة السورية مستمرة. حسناً
هل نفكر بشكل الدولة الآن؟ هل نطرح هذه الأفكار كلها، ونحن ما زلنا نموت كل ساعة؟
هل يحق لنا أصلاً أن نقرر للسوريين جميعاً مستقبلاً لن يكونوا شركاء في رسم
مخططاته؟ ومن كلفنا أصلاً لنقرر شيئاً؟

لا أحد…

وجدنا أنفسنا ندافع ونهاجم، حين أحسسنا أن سوريا مهددة، هل نتركها هكذا؟

عام 2012 قادتني المصادفة إلى سويسرا. أدهشتني تلك الدولة الصغيرة التي
يتحدث أهلها أربع لغات، لكنهم يقفون تحت علم واحد. أعلم أيضاً أن الأميركيين يقفون
تحت علم واحد ويغنون نشيداً وطنياً واحداً. فلنكن مثلهم، أمة سورية واحدة بعربها
وكردها، بشراكسها وأرمنها، بسريانها وأشورييها، بكل ما فيها، فليتحدث كل منا لغته،
وليحب كل منا على طريقته، ولم لا؟

ألا يليق بتلك الثورة التي ما زالت قادرة على الاستمرار منذ أربع سنوات
ونيف أن يحمل إرثها الرائع شعب يريد أن يبني لا أن يهدم؟

هل قلت لكم إن الفيدرالية يقررها برلمان منتخب مثلاً؟

حسناً إذاً دعونا نؤجل الحديث عن كل شيء، وانتبهوا ثمة نظام يتداعى، يسقط
رويداً رويداً، لا تمنحوه بخلافاتكم مهلة إضافية. حدث هذا مرات من قبل، وأخاف أن
يحدث مرة أخرى. حاولوا أن تنتظروا قليلاً، يعني مثلاً أن نتفق على هدنة، وفي اليوم
الذي يلي سقوط النظام، أعدكم أن أذكركم أنا بالحرب التي كانت بينكم، ساعتها عودوا
إلى الحرب. امنحوا أنفسكم وقتاً لتستعدوا، وما دامت حرباً كلامية فلا ضير، أصلاً
نحن جميعاً تعبنا من الأسلحة والمسلحين. سيقول الناس وقتها: السوريون أسقطوا
واحداً من أعتى الأنظمة في التاريخ الحديث ولكنهم متعبون، لذلك فهم مختلفون. أما
الآن، فلا عذر لنا، فالنظام ما زال يغذي الأحقاد وما زال يزرع الخلافات بيننا، فلا
تمنحوه بخلافاتكم فرصة لينبت له مخلب جديد.

قيل لأحد الأصدقاء الديريين إنه إذا حدث التقسيم فلن يكون قادراً على
الذهاب إلى دمشق، ضحك وقال: ساعتها لن يستطيع أهل الشام أن يأكلوا البامية
الديرية.

هكذا تبدو سوريا نسيجاً اجتماعياً أكثر منها شعارات وحدوداً. هي تنوع لا
بد منه لاستمرار الحياة.

أخيراً، يقول البريطانيون إذا اتهمهم أحد بالعنصرية: يبدو أنك لم تذهب
إلى فرنسا. مع إن فرنسا تضم أكثر من مئتي قومية، جميعهم يحملون جنسيتها، لكن
بريطانيا تضم ثلاثمئة قومية وربما أكثر. ألا تستطيع سوريا أن تستوعب قومياتنا
وطوائفنا جميعاً؟

بلى تستطيع، لعل آلاف السنوات التي مرت تؤكد ذلك.

شاهد أيضاً

من يحمي الدستور السوري من الاعتقال مجدّداً؟

تتمتّع سورية اليوم بميزة استثنائية وفريدة، وتكاد تكون غير قابلة أن تتكرّر في أماكن أخرى، …

هل خسرت روسيا الحرب في سورية؟

خرج مئات آلاف المدنيين السوريين يوم الجمعة (14 سبتمبر/ أيلول 2018) في جمعة أطلقوا عليها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

9 − four =