الآن
الرئيسية / اقتصاد / البرازيل وسوريا ..الدروس والعبر

البرازيل وسوريا ..الدروس والعبر

د.رفعت عامر

بلغ تعداد سكان
البرازيل 2014 ثلاث مائة مليون نسمة، ويعيش
فيها شعب منحدر من كل الأقوام والأعراق والقوميات. وهي غنية بمواردها المادية
والبشرية، إلا أنها عاشت في سبات طويل من التخلف والفقر والفساد والتسلط تحت حكم شمولي
دكتاتوري لمدة تجاوزت 200 عام، ولم تستفق من سباتها إلا في عام 1985 م بعد تحررها
من الاستعمار البرتغالي.

وخلال ثلاثة عقود
فقط، تحولت البرازيل إلى خامس أكبر اقتصاد في العالم، بناتج محلي إجمالي قدره 2.5
تريليون دولار ومتوسط دخل فرد تجاوز 11960 دولار.
وأصبحت
من المصدرين الأوائل في العالم وتحول تنوعها القومي والعرقي والاثني إلى لوحة
فسيفساء جميلة وكورال موسيقى يغني لانتصارات فريقه في كرة القدم، ويرقص في شوارعها
وعلى شواطئها مرحّباً بثمانية ملايين زائر وسائح يأتون إليها سنوياً.

ما الذي فعلته البرازيل حتى أصبحت هكذا؟

توفرت لدى قيادات البرازيل بعد التحرير
الرغبة والإرادة السياسية القوية والتخطيط الاقتصادي السليم، فوضعت للبلاد دستورا عصرياً
يلبي طموح ذلك التنوع البشري. ووضعت قياداتها، وعلى الأخص في مرحلة الرئيس لولا
داسيلفا، سياسات تنموية موجهة نحو الإنسان. فالإنسان مصدر الثروة، هدف التنمية
ووسيلتها، والاستثمار فيه تعليمياً وصحياً، سيعكس بنتائجه على النمو الاقتصادي
ورفاه الدولة والمجتمع. ولا فائدة من نمو اقتصادي لا ينعكس بنتائجه على الأغلبية العظمى
من السكان، فلذلك كانت المهمات الأولى هي محاربة الفقر والفساد والتهميش، فاتبعت
الدولة
سياسات اقتصادية
ومالية ونقدية هدفت إلى وقف التدهور الاقتصادي وتثبيت الأسعار والأجور وإصدار عملة
جديدة، بعد أن تآكلت قيمة العملة القديمة بفعل التضخم وفقدان الثقة بها من قبل المتعاملين
المحليين والأجانب.

قامت الحكومة بخصخصة
مؤسسات الدولة لشركات دولية دائنة لها، كان الهدف منها جعل هذه الشركات شريكة
بالنهوض في هذه القطاعات لزيادة النمو وفرص العمل والدخول والخلاص من عبئ الديون
الثقيل.

كما وفرت الدولة
مناخا استثماريا جاذبا من خلال نظام تشريعي وقانوني وضريبي ملائم شجع الاستثمار الأجنبي
المباشر، وعلى الأخص في القطاعات الاقتصادية الحيوية. ساعدها في ذلك وفرة المواد الأولية
ورخص اليد العاملة واتساع السوق المحلية والموقع المهم للبلاد التي تحدها عشرة دول
من دول أمريكا اللاتينية.

كما تم التركيز
على القيادات النزيهة في الإدارات العمومية، والتي لها شعبية بين السكان. وكان
الرئيس لولا داسيلفا، الذي انتخب عام 2002 وأعيد انتخابه عام 2006، ورفض تعديل
الدستور بناء على طلب غالبية الشعب البرازيل من أجل انتخابه مرة ثالثة، قد أصبح مثالا
وقدوة آخذا صيتاً وبعداً ليس محلياً فقط وإنما على مساحة العالم وشعوبه. فيكفي
البرازيل فخراً وشرفاً أن يبكي شعبها على رحيل رئيسه من السلطة، وهو يصر على
احترام الدستور والقانون، بينما الشعب السوري الذي يبكي من الألم وينزف دما على
مدار خمس سنوات مطالبا رئيس العصابة الحاكمة بالرحيل ولا يرد إلا بالقتل والتدمير غير
مبالٍ إلا ببقائه وبقاء عصابته، حتى ولو كان على حساب تدمير البلاد والعباد.

بهذا استطاعت البرازيل خلال ثلاثة عقود من
الزمن، الانتقال من دولة ترزح تحت وطأة التضخُّم والفقر والدين، إلى دولة ذات اقتصاد
متطوِّر وصاعد.

بينما سوريا، التي بدأت مسيرة الإصلاح
والتقدم، كما أدعى بذلك زعماء المافيا الحاكمة الأسدين الأب والابن منذ أكثر من أربعة
عقود ونصف، أي قبل أن تبدأ البرازيل بمسيرة تقدمها بـ 14 عاما، فقد خسرت كل هذه
العقود من التنمية، وأصبح أكثر من 80% من سكانها يعيشون تحت خط الفقر الأدنى، وبات
شعبها مهجرا ونازحا بين الداخل والخارج لتغدو البلاد مستباحة للعصابات وتجار
الحروب بخطة مدروسة تهدف إلى تحقيق شعار الأسد أو نحرق البلد.

ومع قتامه المشهد الذي نراه في سوريا
اليوم، نقول إن إرادة الشعوب لن تقهر. ومن تجارب بلدان وشعوب أخرى نستلهم العبر
والدروس. وفي تجربة البرازيل هناك الكثير مما يفيد.

شاهد أيضاً

فرنسا تجمد أصول أفراد وشركات لاشتباه ضلوعها “بتطوير أسلحة كيماوية”

أعلنت السلطات الفرنسية اليوم الجمعة، أنها جمدت أصول ثلاثة أفراد وتسع شركات يشتبه بضلوعها في …

النظام السوري يقر بعجزه عن إعادة إعمار البلاد

اعترف مسؤول في حكومة النظام السوري بالعجز الاقتصادي الكبير لدى مؤسسات النظام عن إعادة إعمار …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − 14 =