الآن
الرئيسية / رأي / يسقط الوطن

يسقط الوطن

أفلحت الأنظمة العربية الديكتاتورية في تحوير اللغة واجتزائها بما يناسب بقاءها واستمراريتها، وأنتجت لغة بديلة مطواعة استطاعت من خلالها أن تحكم قبضتها على المحكومين، وتحد من أي نشاط أو حراك مهما كان صغيراً في وجهها، وقد تراكمتتلك المفردات، على مدى سنوات، لتتحول إلى حقائق ومسلمات لا يمكن المساس بها أو مناقشتها، وقد نجا الفلسطينيون من التقنين والتدجين السلطوي، وظلوا أحراراً من تلك القوالب الجاهزة التي وُضعت الشعوب الأخرى فيها، طبعاً بسبب عدم وجود نظام يحكمهم، وعدم تمركزهم في بقعة جغرافية محدودة، وكذا فقد أفادت فترة الصراع الطويلة اللبنانيين نوعاً ما، فحررتهم من أي متلازمة يمكن أن تحكمهم، إذا استثنينا طبعاً الفترة التي أمضتها القوات السورية محتلةً في لبنان، وقد تمكنت من فرض لغتها نسبياً على بعض الشارع اللبناني، وأعملت سطوتها اللغوية على الكثير من مدلولات الحياة اللبنانية، وقد ورث حزب الله تلك النزعة الأسدية، ومارس تماماً السلطة ذاتها بالمفردات ذاتها.
من تلك المفردات التي تمكنت الأنظمة من تحوير مفاهيمها مفردة الوطن، ولعل أي سؤال قد يوجه إلى أي مواطن عربي عن معنى الوطن سيحيله بالضرورة إلى بعض مفردات الحياة البسيطة، كالحارة والبستان والمقهى، والأهل والأقارب، وربما المدرسة والجامعة، لكن الوطن لن يتسع أكثر من ذلك، ليكون جزءاً من حرية الفرد وكرامته وإنسانيته، ولعل الحنين الذي نشعر فيه في منافينا القسرية هو حنين بدائي لتلك المفردات الحياتية البسيطة، بل إن تلك المفردات باتت أضيق الآن لتشمل بعض المأكولات الشعبية، إلا أننا وفي المجمل نحمل في دواخلنا ذلك النوع من الكراهية لمفهوم الوطن الذي تم تحريفه واختصاره ليصبح وبكل بساطة عبارة عن “السيد الرئيس”، كما في حالتنا نحن السوريين، فأي حوار وأي نقاش وأي جدال وأي اتفاق ينبغي أن يكون تحت “سقف الوطن”، الذي عرفه الممثل بسام كوسا بأنه “السيد الرئيس” وقد تم تعميم هذه العبارة منذ بداية الحراك الثوري، لترفع رأس النظام عالياً وبعيداً عن أي تغيير قد يحصل في المستقبل، وهو ما ذهب وفد النظام ليؤكده في مؤتمر جنيف، فأسقط وليد المعلم مناقشة مصير “الأسد” من كل الحسابات، واعتبر أن “مقام الرئاسة” أمر غير قابل للنقاش، وقد وجد الكثير من المعتقلين السياسيين على مدى أكثر من أربعين سنة من حكم آل الأسد، وجدوا تهمة “الخيانة” جاهزة بانتظارهم لمجرد تجرؤهم على انتقاد السيد الرئيس الأب، ومن بعده الابن، وصار محتملاً أن يكون مصيرك التجريد من حقوقك، وربما إعدامك باعتبارك خائناً، أو متآمراً على هيبة الوطن. 
ويعرف الكثيرون أن الجلادين في الأقبية المظلمة يستخدمون مفردات التأليه لسيد الوطن، وهم لا يمتنعون عن تهشيم جمجمة أحد المعتقلين، فقط لأنه تجرأ على الهتاف ضد وطنهم الغالي، المختصر بالسيد الرئيس، ولعل الفيديوهات الكثيرة التي قاموا هم بتسريبها للعامة تعكس صورة قاتمة لهذا الوطن الذي بدأنا النفور منه، ولعنه، ونحن نعلم أننا سنتهم بالخيانة العظمى، فقد قال صابر فلحوط مرة إن عظمة الوطن تتجسد في عظمة السيد الرئيس، وكان يتحدث وقتها عن حافظ أسد، وقد انتقل ذلك التجسد بتفاصيله الصغيرة إلى وريثه من ضمن كل ما انتقل له، وكنا قد قبلنا صاغرين عام 2000 بهذا الانتقال، وقد سكتنا ولم نثر وقتها على تلك الإهانة التي وجهت لنا جميعاً، ونحن نرى وطننا عبارة عن إرث ينتقل من الأب إلى الابن، وبلعنا الطعم جميعاً، وهتف الكثيرون: “عاش سيد الوطن”.
والآن دعوني أرجع إلى البداية، كيف نعرّف الوطن؟ أقصد ما هو التعريف الذي يمكننا من خلاله معرفة هذا المكان إن كان وطناً أم لا؟
وما هو مفهوم الوطنية والانتماء في أذهاننا؟ بعد قرابة أربع سنوات من الثورة، التي لم تكتف بخلط الأوراق فقط، بل قلبت المفاهيم رأساً على عقب، ورسمت خارطة جديدة للغة نحتاج كي نفهمها عقوداً.
كيف نقرأ مفردة الوطن مجردة من أحمال سيادته، وجلالته، ومقامه العالي الذي لا يطاله أحد لا بالنظر ولا بالسمع ولا بلسان طبعاً؟
وهل الوطن جغرافية، وتاريخ، أم أن الوطن معنى آخر مختلف تماماً عما تعلمناه، وعما شربناه؟ وهل يستحق الوطن المعد لنا سلفاً أن نموت من أجله؟ أم أن وطناً نصنعه نحن لنحيا فيه هو من يستحق أن نحيا لأجله؟
هي أسئلة لن تغير في واقع الحال شيئاً، أعلم ذلك، لكنها أسئلة تواجهنا كل يوم حيثما وجهنا وجوهنا، هي أسئلة عالقة في حلوقنا، وهي لعنة تطاردنا، اسمها الوطن، هل يمكن أن نتصور وطناً ليس فيه “سيد رئيس”؟ هل نستطيع الإبحار بخيالاتنا بعيداً إلى أرض لا يكون فيها الوطن شخصاً معتوهاً قاتلاً، وأن يكون الوطن وطناً فقط؟ هل نستطيع أن نحلم بذلك فعلاً؟
صور السجود لسيادته ما زالت ماثلة وتطاردنا أيضاً، وصور حذائه العسكري فوق رؤوس مناصريه ماثلة ولا تفارقنا يوماً، هكذا هو كل شيء، هو الوطن، هو السيادة، هو العظمة، وهو المقام العالي الذي يُمنع المساس به، هو سقفهم الذي يحنون رؤوسهم له، هو وطنهم. وأما نحن فلا وطن لنا.

شاهد أيضاً

جلال بكور

“كذبة” انسحاب إيران من سوريا

هل إسرائيل تريد لإيران أن تخرج من سوريا؟ أنا لا أعتقد ذلك لأنه ليس من …

سورية.. والعدالة الانتقالية قبل وقف الحرب

الدول التي لجأت إلى مسارات العدالة الانتقالية، لتسوية ذيول أزمات فيها، فعلت ذلك بعيد انتهاء …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 1 =