الآن
الرئيسية / رأي / مصر لن تعود إلى حكم الإخوان!

مصر لن تعود إلى حكم الإخوان!

عمّار الأحمد
ارتكب القضاء المصري خطيئة استقلاليته بتبرئة مبارك. ففقدَ ثقة الشعب، ولن يعترف به ثانية كسلطة مستقلة كما كان يشاع. ارتكب نظام السيسي الخطيئة ذاتها، فالشعب لم يثر لينصّبه حاكماً في النهاية ولا يمكنه التغاضي عن دوره في الإفراج عن مبارك ووزير داخلتيه وبقية مساعديه. المصريون ثاروا لأنهم يريدون تغيّيراً عاماً، يؤمّن الخبر والحرية ويحدّ من سلطة مبارك ويقف ضد توريث ابنه، وللانتقال إلى مجتمع أفضل.
الإخوان وحينما ترأسوا بمرسي مصر، عملوا على أخونة الدولة، وأبعدوا أقرب الناس إليهم. أي السلفيون. وقد خسروهم نهائياً. الأخيرون لم يقاطعوا نظام السيسي، ولكنهم لم يندمجوا بمؤسساته كذلك. الشعب بدوره، لا ينسى شيئاً، وإن لم يستوعب جيداً الدرس وضرورة أن يقيم هو سلطته؛ فهذا ما تبعدهم عنه قضايا كثيرة، لم تتحقق بعد.
الإخوان، كما نظام السيسي، لم ولن يحلّوا المشكلات. والدعم الإقليمي والصمت الأمريكي، لن يجعل نظام السيسي خارج قوس الثورات مجدداً. بل ربما هذا الشكل من الدعم المحدود والمشروط سياسياً، والذي لن يحل المشكلات الاقتصادية ولن يؤمن حياة اجتماعية مستقرة، ويصنف كدعمٍ للاستبداد الجديد، نقول ربما يسرّع بالثورة لا أن يوقفها. الإفراج عن مبارك كان لحظة خروج الناس إلى الشارع مجدداً. كانت الشعرة التي لم يقطعها المصريون خوفاً من أن يعود الأخوان مجدداً إلى الحكم. ربما ستخفت قليلاً المظاهرات، ولكنها ستستعاد بقوة. فالنظام الحالي لم يستفد من تجربة تونس مثلاً، والتي تحاول المزاوجة بين النظام القديم والجديد، ولا تُخرج أية مجموعات خارج هذه المزاوجة، حيث اليمين واليسار وما بينهما. التكفيريون لا يحسبون بحال على الفئات السياسية، وهم لا يعترفون بها من أصله.
الإخوان أخطأوا حينما أبعدوا السلفيين وحاولوا إبعاد رجال مبارك بالكامل، ومدّ نفوذهم إلى الجيش والسيطرة عليه. والسيسي أخطأ بدوره في إغلاق كل الطرق أمام المصالحة مع الإخوان، وأتاح لهم تشكيل مظلومية “رابعة” وسواها، وسمح بالإفراج عن مبارك، ولا يغير في الأمر أنّه أمر بذلك، أو أن ملفات القضية هي من دفع القاضي لهذا الحكم السيئ بحق المصريين. مبارك مثلاً كان يعطي للإخوان دوراً، ولا سيما في الاقتصاد وفي شؤون الدين، بل وأفسح لهم المجال واسعاً في التعليم والمحافظة الاجتماعية، حتى إنه كان يتحالف معهم في بعض الدوائر الانتخابية لمجلس الشعب، والانتخابات النقابية. لم يفهم الإخوان اللعبة السياسية جيداً، وحكموا على أنفسهم بالخروج من المشهد.
قد يتوقع الإخوان أن براءة مبارك ستعيد لهم المجد، وسيتوج “مُرسيهم” مجدداً كرئيسٍ لمصر؛ هذا محض وهم. فالإخوان أفقدوا الشعب الثقة بهم بممارساتهم، وتجاهلهم لدوره في تشكيل السلطة الجديدة. ولكن بالتأكيد ستنحاز كتلة مجتمعية إلى جانب الإخوان، سيما وأن البراءة “القضائية” فعل عنفي مباشر وبكل المستويات؛ فهو إهانة للمصريين الذين ثاروا ضده، ويقلل من شأن من استشهدوا في الثورة، عدا أن كل المصريين الفقراء يعرفون دور نظام مبارك في إفقارهم، ويعرفون ملياراته المنهوبة من رائحة عرق أجسادهم؛ ولكن ذلك لا يعني دعم عودة الإخوان إلى سدة الحكم؛ المظلومية الإخوانية الثقيلة الهضم، لن تجدي نفعاً، ولو كانت قناة بحجم “الجزيرة” لا تتوقف عن تصويرهم كملائكة، وأحياناً كأنبياء مرسلين، وتصوير السيسي، وكل ما قام به، بأنها أفعال الشيطان على الأرض.
لا زال المصريون غارقون في الفقر، ويحكمهم نظام استبدادي جديد. والدولة العميقة المتهالكة تستعيد أنفاسها، والإخوان لا يتوقفون عن مَطرِهم بأنهم خانوا نظامهم “الديمقراطي”، وهم حاقدون على العالم لتركهم بلا مساعدة للانتقال إلى الديمقراطية. المصريون ما زالوا يحلمون بالثورة، وعدا عن أن أسبابها لا تتغير، وربما كل هذه التجارب ومنذ عام 2011، ورحيل مبارك حينها، ورحيل مرسي بعده، والاستبداد مجدداً، ربما يساعد ذلك في تلمس رؤى وبرامج سياسية واقتصادية لتكون أهدافاً لهم. وتكون واضحةً للعقل السياسي المصري، ليتجاوز أخطاءه منذ 2011، ويأخذ السلطة بيديه. 
هذا ما سيتراكم تباعاً، ولكن ربما تتشكل في العام القادم كتلة مجتمعية وازنة وقادرة على إزاحة السيسي ومبارك ووضعهما في السجون، وتغيير النظام المصري برمته، وإغلاق كل الطرق أمام الإخوان ومظلوميتهم الكاذبة، وكأنّ السيسي فقط، وليست مظاهرات مليونية، هو من أبعدهم عن الحكم، عدا عن ممارساتهم الذاهبة نحو نظام شمولي بستار ديني، لا يترك للشخصي أي مقدار من الحرية.
الثورة المصرية الجديدة قادمة… الأوضاع تتطلب بعض الوقت فقط. آمل ألا أكون مهلوساً.

شاهد أيضاً

توحش النظم ورأسمالييها

حين حدثت الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا سنة 1997، ارتبك صندوق النقد الدولي، لأن …

واشنطن لموسكو: كش ملك

أسرعت روسيا إلى استثمار دور قواتها المسلحة في حماية النظام السوري، وقبضت الثمن بعقد اتفاقيتين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twenty + fifteen =