الآن
الرئيسية / محليات / صدى البلد / في الأفران‫…‬ حواجز وساحات اقتتال

في الأفران‫…‬ حواجز وساحات اقتتال

 

 

دمشقسامر البزاوي

 

 

لحمٌ للفقراء وصنفٌ من مقبلات الأثرياء، قرص مدوّر مكوّن من طبقتي عجين ممددتين ومطهوتين في فرن بدرجات حرارة عالية. يحمل بين سطحيه حكاياتٍ عن طيبة السوري ومقومات حياته، التي يشرع في بنائها من رغيفٍ لا يقبله إلا مزيجاً من الدفء والتكامل والحب.

 

وكما غيرت الحرب أفكار المواطنين ومشاعرهم، وحتى مخططاتهم، غيرت في الوقت ذاته علاقتهم مع ربطة الخبز، فصارت، في كثير من الأحيان، الحلم المشتهى، الذي لا يُطال. وخاصة، بعدما طرق سعر الربطة، في دوما المحاصرة، باب الألفي ليرة سورية، خلال الشهر الفائت. ارتفاعٌ عزاه الأهالي إلى شدة الحصار، وما يقابلها من جشع التجار واستغلالهم أثناء نقلهم للمؤونة عبر معبر وحيد للغوطة المحاصرة منذ ما يقارب العامين.

 

العاصمة تئنّ في عوز الرغيف

 

الوضع داخل العاصمة ليس بحالٍ أفضل كثيراً من الغوطة. فالطحين الضروري للخبز، إن توفّر في فرن غاب عن عشرة. حتى يغدو قدومه عرساً جماهيرياً‫. ‫”أفزع كل مرة، على صوت رصاص قريب يخترق أحلامي أول الصباح، لأدرك بعد قليل أنه احتفال الخبز، الذي تحول إلى شجار عارم وتزاحم لا يطاق، فجاء الرصاص ليفرق الحشد. ترانا لا نستطيع الانضباط إلا بصوت الرصاص؟ تتساءل سلمى وهي طالبة جامعية من مدينة صحنايا‫.

على بعد كيلومترات من صحنايا، يقبع مخيم اليرموك الموغل في الألم، إثر الحصار الجائر الواقع عليه. يروي بلال، ناشط من مخيم اليرموك لـصدى الشام، حُرمت وعائلتي، وكافة أهالي المخيم، من
تناول الخبز العادي ستة أشهر،
بعدما توقفت الأفران جميعها عن العمل. فعمدنا لابتكار وسائل بدائية لتحضير أي صنف من الخبز إن أمكن. لكن ذلك لم يحل دون وفاة أطفال وشيوخ جوعاً، حالمين بكسرة خبز، تُرمى المئات منها على جنبات الطريق في حي الزاهرة الخاضع لسيطرة
النظام، والمتاخم
للمخيم.

السعرالمدعومتغير

خلال السنوات الثلاث الماضية، كانت الأفران مسرحاً دائماً للحدث السوري وتداعياته على مزاج الشعب ويومياته المتشابهة، التي زاد عليها الوقوف في طابور الخبز وقتاً طويلاً، نظراً لتخفيض ساعات التوزيع، وإلزام المواطن بشراء حصة معينة، لا يستطيع شراء أكثر منها. هذا ما فرضته حكومة النظام ظاهرياً، وهي ما برحت، عبر إعلامها، تذكر الشعب بدعمها المستمر لربطة الخبز، وتوفيرها الطحين للأفران، انطلاقاً من مبدأكل شي غليإلا الخبز. لكن حكومة النظام تراجعت، كعادتها، عن وعدها، فرفعت سعر الربطة إلى 25 ليرة. ليصل سعر بيعها خارج حدود الفرن إلى مائة ليرة في بعض المناطق، ويتخطى الألف في مناطق أخرى. ولم يتبق أمام المواطن حل سوى الرضوخ للبائع وشراء الخبز، خوفاً من انقضاء نهار كامل على أمل الوصول إلى كوة التوزيع داخل الفرن‫.

حواجز‫… حتى في الأفران

ظروف البلد فرضت نفسها على خارطة الفرن الديموغرافية، فأُحدثت كوّة خاصة للعساكر، الذين لا يمتلكون وقت المواطن العادي؛ فبانتظارهم حواجز، وخلفها قوافل من المارة ترتقب أوامرهم حتى يسمحوا لها بالمرور. كما يوجد في الفرن حواجز تفصلهم عن العامة، حيث يدخل الصراع أوجه، ويحدثاقتتالداخلي قد يطلق فيه العنان للسباب والصراخ، والضرب أحياناً‫.

غسان، محامي من دمشق،
يتحدّث لـ
صدى الشام، الشعب، الذي أدمن الفوضى، لم يعد بوسعه تعلم الانضباط، وهو مضطهد حتى في رغيف خبزه. هذا دون إغفال عشوائية التوزيع وخضوعها للواسطات أغلب الأحيان، بحجج واهية. عدا عن مزاجية البائع، التي تلعب الدور الأكبر في عملية التوزيع؛ فالحظ الأكبر لرجل الأمن، كما للوجوه التي تسمى بـ “المعارف. وهذا ما يضطرني للبقاء منتظراً في الطابور لمدة ساعة كاملة يومياً، فضلاً عن ساعة انتظار أخرى أمام حاجز
متمركز في طريق وصولي للفرن
‫”.

لماذا الخبز؟‫!

يجمع ناشطو الإغاثة داخل مناطق المعارضة بدمشق على أن ‫”سياسة توزيع الخبز مدروسة بعناية من قبل الحكومة، لاستهداف المواطن البسيط في لقمة عيشه، كأسلوب حرمانٍ من أدنى حقوقه. توازياً مع سياسة إشغال ذهنه بأزمات معيشية لا تنتهي بانعدام الكهرباء والماء والمحروقات“.

يقول فادي، وهو مدرّس، يقف يومياً لساعات طويلة في طابور فرنٍ بحي ركن الدين، ‫إنّقهراً نفسياً يعاني منه المواطن السوري وهو يحارب أخيه على ربطة الخبز،
فمعركة الحصول على الخبز تصنّف كاقتتال من نوع جديد‫.
هكذا أدخل النظام معاناة الرغيف إلى قاموس حياة السوريين، لينقلهم من ساحات التجمهر والتغيير إلى عتبة الأفران، يصرخون بشكل عشوائي بدل المنظم، يعاركون كي ينالوا ما يخصّهم فقط، ويخرجون بعدها بإحساس النصر المزيّف‫”.

شاهد أيضاً

“هيئة تحرير الشام” تعلن موقفها من اتفاق “سوتشي”

أعلنت هيئة تحرير الشام مساء اليوم الأحد، في أول حديث لها عن اتفاق روسيا وتركيا …

بالصور والوثائق: وحدات حماية الشعب تجنّد طفلة قاصر

اشتكى أحد المواطنين في شمال شرق سوريا، من تجنيد ابنة أخيه القاصر، في صفوف “وحدات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

five − three =