الآن
الرئيسية / اقتصاد / عن الحلول الجاهزة والقوالب المستوردة

عن الحلول الجاهزة والقوالب المستوردة

أحمد العربي

إن المتابع للشأن
الإقتصادي العربي، والسوري خصوصاً، لابد وأن يلحظ في العشر سنوات الماضية، وحتى ال
آن، انتشار جائحة مايسمى بالمشاريع المتوسطة والصغيرة بين المسؤولين الاقتصاديين.
حيث شكّل هذا الموضوع الجزء الأكبر من تصريحاتهم وخططهم للتنمية. فاليوم نجد لسان
رئيس الحكومة السورية وائل الحلقي، يلهج بالحديث عن أهمية
المشاريع المتوسطة والصغيرة، لابل والمتناهية في الصغر، ودورها في المرحلة القادمة
كقاطرة للنمو.

نظرياً، لا يُختلف
غلى أهمية المشروعات المتوسطة والصغيرة في نواحٍ عدة، كونها حلٌ لمشكلة البطالة،
وحاضنةٌ للمشروعات الكبيرة ومكملةٌ لها، ولكن العيب في أسلوب النظام بالتعاطي معها
كحلٍ سحري جاهزٍ، يُستورد كقالب من الغرب ويُطبّق في بلداننا، دون مراعاة أي فروق
في البنية الاقتصادية والتشريعية والاجتماعية مع تلك الدول. وهذه سمة عربية لا
تقتصر فقط على الخطط الاقتصادية، وإنما تشمل التخطيط السياسي والاجتماعي والتربوي.
فنحن أمة تعشق القوالب الجاهزة المستوردة.

يختلف تعريف
المشروع المتوسط أو الصغير بين دولة وأخرى، لظروف عائدة لطبيعة اقتصاد كل دولة.
لكن أغلب الدول العربية معجبة بالتجربة اليابانية والأوربية والآسيوية في الاعتماد
على تلك المشروعات في التنمية، لذلك، سنعتمد تعريفات تلك الدول للمشاريع المتوسطة
والصغيرة لإظهار منطق الطبلة والربابة الذي تعتمده الدول العربية، وتحديداً سوريا،في
الترويج لتلك المشروعات.

تعرّف اليابان
المشروع الصغير بأنه:”أي مشروع يعمل فيه ما لايقل عن 300 عامل”، كما
تعرفه الدول الأوروبية بأنه:”المشروع الذي لا يقل عدد العملين فيه عن 250
عامل”، وبحسب تعريف اللجنة الاقتصادية الاجتماعية لغرب آسيا (اسكوا)،فالمشروعات
المتوسطة والصغيرة هي: “منشآت تشغل ما بين (50-250) عاملاً”. أما
بالنسبة للدول العربية، التي تريد تحقيق التنيمة عبر المشروعات المتوسطة والصغيرة،
فتعرف الأردن المشروع الصغير بأنه:”المشروع الذي يعمل فيه 4 أشخاص، والمتوسط
هو الذي يشغل بين (5-9) أشخاص”. وفي سوريا، المشروع الصغير:”أقل من 9
عمال، والمتوسط بين (10-30) عاملاً”.هذا الفرق الهائل، من ناحية حجم
المشروعات وعدد العاملين فيها، يقدم مؤشراً مبدئياً لعدم جواز المقارنة بين الدول
العربية وتجارب تلك الدول في التنمية عن طريق المشروعات المتوسطة والصغيرة. ثم
نأتي إلى وظيفة تلك المشروعات في الدول المتقدمة، من حيث كونها معامل حقيقية تعتمد
على تكنولوجيا معينة وتقدم دعماً للصناعات الكبرى في شتى المجالات، مثل معمل متخصص
في إنتاج زجاج السيارات، أو معمل متخصص في إنتاج العبوات أو التغليف للمعامل
الغذائية الكبرى. ويكون ذلك طبعاً، ضمن خطة تنمية اقتصادية مسبقة، تعدها الدولة
وتحدد نوع الأعمال التي يمكن أن تستفيد من خلالها من المشاريع الصغيرة والمتوسطة،
ثم يتم توفير الإمكانات المادية والتشريعية والخبرة الإدارية اللازمة لإنجاحها.فاليابان
مثلاُ،
في عملية تمويل
المؤسسات الصغيرة، استخدمت عدة مؤسسات من أهمها:هيئات التمويل الحكومية للصناعات
الصغيرة، جمعية التمويل الأهلية، جمعية تمويل الصناعات الصغيرة. وأغلب هذه
المؤسساتتقدم قروضاً طويلة الأجل، لاقتناء الآلات والمعدات اللازمة لتسيير
العمليات، وتشجيع اللجوء إلى التقنيات والتكنولوجيا الحديثة.وهناك أيضاً مؤسسات
تمويل خاصة أو مختلطة، تكفلت بمهمة تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، كالبنك
المركزي للتجارة والصناعة، والبنوك التجارية، ومؤسسات الإقراض الخاصة.

وتؤكد التقارير المالية أن البنوك مازالت
تفرض نوعاً من القيود على تمويل هذه النوعية من المشروعات، للتخوف من وقوع هؤلاء
العملاء في فخ التعثر، إذ إن غالبية هؤلاء العملاء ليس لديهم الخبرة الكافية في
إدارة هذه النوعية من المشروعات، وكذلك الضمانات اللازمة للبنوك من دراسة الجدوى
للمشروع. وقد أكد استطلاع رأي،أُجري في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية،
على بروز مشكل التمويل، وهو المشكل المطروح على مؤسسات التمويل اليابانية. ولضمان
القروض للمستثمرين الصغار، أسست الحكومة المركزية نظاماً لضمان القروض المقدمة، في
شكل هيئاتٍ لضمان القروض في كل مدينة. كما اُعتبرت سياسة الحماية من الإفلاس إحدى
السياسات الهامة الموجهة لتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في اليابان، حيث تقوم
بتطبيق هذه السياسات مجموعة من المؤسسات المالية والتأمينية، ويمكن للمشروع الصغير
الانضمام لهذه الخدمة عن طريق مساهمته بقسط تأميني يدفع شهرياً، تقوم بموجبه هيئة
تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة اليابانية بسداد ديون المشروع الصغير المتعثر.

أما في سوريا وفي عام
2003 خُصصت منحة كويتية لدعم المشاريع المتوسطة والصغيرة بقيمة ثلاثة مليارات
دولار، أُعطيت كقروض للمواطنين، بمبالغ تصل في حدها الأعلى إلى 3ملايين ليرة سورية،
يُحدد مبلغ القرض بحسب الرشوة التي يدفعها صاحب المشروع، وليس بحسب حجم المشروع.
ولم تُشكّل أي لجان لدراسة القطاعات التي توجه لها تلك القروض حسب حاجة السوق، كمالم
تُهيئ بنية تحتية أو تشريعية أو استشارية لتلك المشروعات، مما أدى إلى اقتصارها
على (بقرة حلوب – بقالية – ورشة تغليف حلويات – جرار زراعي)، فضاع مبلغ القرض
هباءاً دون أي فائدة محققة على صعيد الاقتصاد الوطني. ولا يزال هذا المنطق سائداً
إلى اليوم في خطط التنمية الاقتصادية للحكومة السورية.

شاهد أيضاً

سعر الدولار يتجه إلى أسوأ أسبوع في 9 أشهر

 ارتفع الدولار من أدنى مستوى في ثلاث سنوات مقابل سلة عملات أمس الجمعة، لكنه يتجه …

الشركات حول العالم تهدر مليون دولار كل عشرين ثانية

كشف استطلاع عالمي عنوانه «نبض المهنة لعام 2018» يجريه معهد «بروجكت مانجمنت إنستيتيوت» («بيه أم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seventeen + 18 =