الآن
الرئيسية / رأي / عاش التنك، ويسقط الذهب

عاش التنك، ويسقط الذهب

عبد القادر عبد اللي

فيالشجار، عادة لا أحد يقول للآخر: “يا محلى الكحل بعينك، وإذا قلنا إنه يحدث ستقولون إنه مستحيل، وتقولون لي: “هاتِ برهانك إن كنت صادقاً“… وبما أن أحداً لا يقول عن زيته عكراً، ودبسه حامضاً، لا يمكن أن يقول امرئ عن نفسه كذاباً، ولكنه يقول كذبة بيضاء من أجل التستر على الكذب.

فيالحقيقة أن الأمر احتاج إلى شيء من المبالغة من أجل المفارقة، ولنعد إلى البدايةبداية الثورة السورية المعتقلة. ترنم إعلام الولي الفقيه بما سمي يومئذ: “سرقة مصانع حلبومما زاد في الطنبور نغماً أن قناة سعودية سألت المرحومحجي مارععن هذه السرقات، قال بصدق: “نعم، هذا ما حصل، واكتفت دون متابعة الأمر، فقد وصلت الرسالة. ومن هنا بدأت أسطورة المصانع تنمو حتى بلغت ذروتها بمطالبةمحمد رحالصاحب الألقاب التي تزيد عشرة أضعاف عن ألقاب باسل الأسد، وقد تواضع وتنازل وضحى بناء على رغبة الجماهير بأن يكون رئيس حكومة مؤقتة للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وتقدم بطلب ترشيحه لهذه المهمة التافهة ولكن المؤامرة القطرية التركية استبعدته، ولم تقدّر تضحيته الكبرى فأعاد طرح قضية المصانع المسروقة، وطالب بفتح تحقيق دولي في موضوعها.

معاستخدام سلاح الفوضى لإخضاع الناس، انتشرت السرقات على نطاق واسع، وتكاد لا تكون هناك أسرة في المناطق المنتفضة لم تتعرض للسرقة، والمؤكد أن اللصوص كانوا من الاتجاهات كافة، ولعلأسواق السنةالتي بدأت من حمص كانت أقدمها فقط. والقاعدة الذهبية تقول إن البضاعة المسروقة تساوي ربع قيمتها في أحسن الأحوال إلا في قضيةسرقة مصانع حلبفهي أغلى من الذهب الخالص عيار أربع وعشرين

يُروىأنه كان في سورية نهضة صناعية كبرى، حسدتها عليها الدول المجاورة وغير المجاورة كلها، (كما حسدتها على زعيمها الذي خرطه الخراط وقلب ومات) فأحرقتها الغيرة، لذلك أرسلت اللصوص لسرقة هذه المصانع، وسرَقَتها، وحققت تطوراً كبيراً من وراء هذه السرقات

عندمايقول إعلام الولي الفقيه هذا فهو يدخل ضمن الدعاية السياسية الموجهة لقطعان الأغبياء التي يقودها، ولكن عندما يقولها الوطنيون المضحون والذين لا يشبهون العائد إلى حضن الولي الفقيه فهذا أمر يحتاج إلى لحظة تأمل

كانتسورية مكبّ الآلات المنتهية الصلاحية في تركيا، بفضل حكمة قيادية عليا لا يعرفها الرعايا البسطاء أمثالنافعند تطوير أي مصنع تركي يهرع رجال الأعمال السوريون لشراء المصنع المنسق، فعلى سبيل المثال، مولدات الكهرباء التي تعمل بالفيول في سورية، بغالبيتها، صناعة تركية أو جلبت من تركيا بعد أن نسقّ هذا البلد هذا النوع من المولدات لمضارها البيئية وتكاليفها العاليةولكن بعد أن باعتنا تركيا هذه الجواهر اكتشفت فجأة أن لها قيمة لا تقدر بثمن، فأرسلت مافيات وعصابات لسرقة هذه المولداتالقواعد الثورية تقول: “من يرفض هذا الأمر فهو أخونجي خائن لمبادئ ثورة الكرامة“. أومن بني علمان الكفرة الذين يطالبون ببدعة الديمقراطية“… أين بيعت تلك المصانع؟ هنا لن ندخل في أسواق السنة وأسواق الخردة من أجل تجنب الطائفية فقط

منناحية أخرى، ثمة لقى أثرية، تفوق قيمتها قيمة الذهب عيار أربع وعشرين بأضعاف المرات، تم ضبط كثير منها في تركيا أثناء بيعها من أجل إيصالها للصليبين الكفرة، وأودعت لدى المتاحف التركية برسم الأمانة إلى حين عودة الحياة الطبيعية إلى سورية، على طريقة إيداع لوحة الغورنيكا لبيكاسو في أحد المتاحف الأمريكية أمانة لحين عودة الديمقراطية إلى إسبانيا، وكما عادت الغورنيكا إلى موطنها الأصلي لابد وأن تعود هذه اللقى الأثرية الغالية جداً إلى موطنها

منيسرق هذه اللقى؟ بالطبع أيضاً، لا يُستثنى أحد من هذه العملية، وليس المقصود بعدم الاستثناء أطراف الصراع فقط، بل يشمل اللصوص المحترفين والمافيات والجماعات الدينية والمذهبية، فالجميع متورط، وحتى لابد وأن تكون هناك شراكات متعددة الأطراف، بل متناقضة ويمكن أن تكون متحاربة كالشراكة بين المقاومة اللبنانية الشريفة والكتائب (الانعزالية) وضباط من قوات الردع في عملية زراعة المخدرات ونقلها وتصنيعها وتجارتها أيام الحرب الأهلية اللبنانية

عندمايتفق طرفا نزاع أو شجار ما، وما بين هذين الطرفين من أطراف، على ترديد عبارة واحدة حرفياً، فلابد أن يكون في الأمر سر ما، وبما أنني لست متنبئاً من الذين يزدهر سوقهم في رأس السنة من كل عام، ونحن على أبواب رأس سنة جديدة، أود التحدث في الماضي فقط

العصيّعلى الفهم هو أن اللقى الأثرية تساوي أضعافاً مضاعفة من التنك الذي بيع في سوق الخردة، لماذا تُحفظ هذه اللقى في المتاحف تحت اسمأمانةولم تحفظ تلك الخردة لإعادتها؟ كأنني أسمع هتاف: “عاش التنك، ويسقط الذهب“! والشعب يريد التنك“…

شاهد أيضاً

جلال بكور

لماذا أبقت أمريكا على النظام

يقول المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “جيمس جيفري” إن بشار الأسد يحكم دولة بمثابة “جثة” …

مزاد بيع سوريا وشعبها

تتقاسم الدول المتدخلة في الصراع على سورية مع النظام والفصائل المتطرّفة مسؤولية استمرار الحرب القائمة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twenty + 13 =