الآن
الرئيسية / ثقافة / شخصيات أسست للعنف الديني محمد بن عبد الوهاب

شخصيات أسست للعنف الديني محمد بن عبد الوهاب

بعد حديثنا عن ابن تيمية في
المقالة السابقة، ننتقل اليوم إلى أحد تلاميذه المتأخرين والمتأثرين بأفكاره. محمد
بن عبد الوهاب التميمي مؤسس ما يعرف اليوم بالوهابية، ولد بالعيينة بنجد في العام 1703م
في أسرة عرف منها العديد من العلماء ومنهم جده وأبيه الذي كان عالماً وفقيهاً على
المذهب الحنبلي.

تعلم محمد بن عبد الوهاب
القرآن وحفظه قبل بلوغه العشر سنوات، وتذكّر المصادر أنه كان يتمتع بحدة الذكاء
وسرعة الحفظ وحبه للمطالعة، وكما لاحظ والده وأساتذته نبوغه العلمي المبكر لاحظوا
أيضاً كما تورد عدة مصادر غلوه وتشدده أيضاً.

وهذا الأمر يبدو أنه كان من
السهل اكتشافه بحيث كان يطرد من كل بلد يحل فيه بعد اصطدامه بعلمائه. فقد طرد من
البصرة التي لبث فيها أربع سنوات كطالب علم، ثم طرد من عدة مدن بنجد والحجاز قبل
تحالفه مع محمد بن سعود حاكم الدرعية.

تمحورت دعوة محمد بن عبد
الوهاب حول المسائل الفرعية المختلف فيها بين المذاهب الأربعة،
مثل
التعبد بقبور الصحابة والأولياء والتقرب والدعاء بالأشخاص، فضخموا تلك المسائل
لدرجة التكفير والتفسيق، فادّعى أنه يدعو الناس إلى التوحيد ونبذ الشرك والعودة
بالإسلام إلى البدايات واتباع السلف الصالح، ولذلك سمي أتباعه بالسلفية.
فأنشأ
طائفة متشددة لتفسير الإسلام،
لا تتهاون مع مخالفيها في المذهب لدرجة أنها كفرت جميع
المسلمين أفراداً وعلماء مالم يتبعوا مذهب ابن عبد الوهاب، وحصر محمد بن عبد
الوهاب مذهبه في تلك المسائل يعود لكونه على المذهب الحنبلي، ومتبنٍّ لفكر ابن
تيمية في معاداته التصوف وممارسات المتصوفة.

هذا الفكر
المتطرف
الذي أتى به محمد بن عبد الوهاب، تجاوز بالمغالاة فيه ابن تيمية وكل علماء المذهب الحنبلي، ما دفع
جميع معاصريه من العلماء إلى انتقاد فكره
، وكتابة رسائل وكتب في ذلك، بما فيهم أخيه سليمان، الذي
كتب له رسالة سماها (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية)، حيث حاول أن يثنيه عن
دعوته لكنه أبا، ومن حواراته معه أن سأله مرة كم أركان الإسلام يا محمد؟ فقال:
خمسة، فقال له سليمان: أنت جعلتها ستة السادس هو اتباعك فمن لم يتبعك ليس بمسلم.

ويقول جميل صدقي الزهاوي:”
كان محمد بن عبدالوهاب يسمي جماعته من أهل بلده، “الأنصار” وكان يسمي
متابعيه من الخارج “المهاجرين”، وكان يأمر من حج حجة الإسلام قبل
اتّباعه أن يحج ثانياً قائلاً:إنّ حجتك الأُولى غير مقبولة لأنك حججتها وأنت مشرك،
ويقول لمن أراد أن يدخل في دينه: اشهد على نفسك أنك كنت كافراً، واشهد على والديك
أنهما ماتا كافرين، واشهد على فلان وفلان (يسمي جماعة من أكابر العلماء الماضين)
أنهم كانوا كفاراً.

فإن شهد بذلك قبله، وكان
يصرّح بتكفير الأمة منذ ستمائة سنة، ويكفّر كل من لا يتبعه وإن كان من أتقى
المسلمين، ويسميهم مشركين، ويستحل دماءهم وأموالهم، ويثبت الإيمان لمن اتّبعه”.

من يقرأ سيرة هذا الرجل،
يكتشف بسهولة وجود جنون العظمة المشترك بين جميع الشخصيات التي تحدثنا عنها.
فممارساته وإن لم يدع النبوة ولكنها تنبأ عن هذا، فتكفيره للعلماء منذ ستمائة عام
سابقة له أي حتى عهد الخلفاء الراشدين، واعتباره أن كل مخالف له كافر دليل على
نبوته، وهذا يؤكده خلطه في التفسير وإسقاطه لمعنى الكفار الذي قصدته الآيات
والأحاديث النبوية على المسلمين ممن لم يتبعوا دعوته، بل ذهب أبعد من ذلك في تقليد
النبي في حربه ضد الكفار بحربهم وإباحة دمائهم، حيث عرف بذكائه المشهود بأن مثل
دعواه، خاصة بعد معارضة علماء الحجاز في عصره له بحاجة لقوة تحميها وتنشرها، فأخذ
يبحث عن التحالف مع أمراء القبائل في نجد. فوجد ضالته في محمد بن سعود والد عبد
العزيز مؤسس السعودية، والذي رأى في محمد بن الوهاب غطاءً شرعياً لسيطرته على كامل
نجد والحجاز، وهذا يدل عليه المؤرخون في
نقل مادار من أحداث حين حل ابن عبد الوهاب في الدرعية التي يحكمها محمد بن عبد
العزيز، حيث قالت له زوجته “موضي” والتي عرفت بحكمتها ودهائها «هذا
الرجل ساقه الله إليك وهو غنيمة، فاغتنم ما خصك الله به» فقبل قولها ثم دخل على
أخوه ثنيان وأخوه مشاري فأشارا عليه بمساعدته ونصرته، أراد أن يرسل إليه فقالوا:«سر
إليه برجلك في مكانه وأظهر تعظيمه والاحتفال به، لعل الناس أن يكرموه ويعظموه»
فذهب محمد بن سعود إلى مكان الشيخ ورحب به وأبدى غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره
أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده، وقال له: “أبشر ببلاد خير من بلادك
وأبشر بالعزة والمنعة”، فقال الشيخ: “وأنا أبشرك بالعزة والتمكين، وهذه
كلمة لا إله إلا الله من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي
كلمة التوحيد وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وأنت ترى نجداً وأقطارها
أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم بعض، فأرجو أن تكون إماماً يجتمع عليه
المسلمون وذريتك من بعدك”.

استغل ابن عبد الوهاب هذا
التحالف للاستقواء به فأخذ يهدم القباب التي على قبور الصحابة ومنها قبر زيد بن
الخطاب، وحوّل الدرعية لنقطة تجمع لأنصاره الذين بدؤوا بالتوافد إليها، حيث انضموا
إلى جيش محمد بن سعود وابنه عبد العزيز من بعده في حربهم ضد باقي الإمارات في نجد
للسيطرة عليها، والتي أعطاها التحالف مع ابن عبد الوهاب صفة الحرب المقدسة بدل حرب
السلطة حتى تم لهم الأمر، وتم توحيد نجد في دولة السعودية بقيادة آل سعود سياسياً،
وفكر محمد بن عبد الوهاب دينياً. ليتبلور هذا المذهب البدوي التكفيري المعادي
للمدنية والتقدم، مدعوماً بأموال النفط التي أدت لإنتشاره في كل العالم الإسلامي
على يد دعاة لاحقين أكثر مغالاة وتشدد من شيخهم محمد بن عبد
الوهاب.

شاهد أيضاً

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 4 =