الآن
الرئيسية / ثقافة / شخصيات أسست للعنف الديني حسن البنا (اللعب بالنار)

شخصيات أسست للعنف الديني حسن البنا (اللعب بالنار)

أحمد العربي

” إننا لسنا حزباً سياسياً
وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعية خيرية وإن كان
عمل الخير والإصلاح من أنبل مقاصدنا، إننا لسنا شيئاً من هذه التشكيلات ولكننا
أيها الناس فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لايحدده موضع، ولا يقيده جنس، ولايقف دونه
حاجز جغرافي ولاينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك لأنه نظام رب
العالمين ومنهاج رسوله الأمين “.

بهذه العبارات، وصف حسن البنا مؤسس جماعة
الإخوان المسلمين جماعته، والتي تبدو مبهمة كتعريف لحركة ما، لكنها شديدة الوضوح
في محاولة توسيع مفهوم الحركة لتكون هي الإسلام نفسه وتتماهى معه .

حسن البنا مؤسس
فكرة الإسلام السياسي، وأول الزعماء الإسلاميين وأشهرهم بلامنازع . ولد في
المحمودية بمحافظة البحيرة في مصر 1906 لأسرة بسيطة، وتلقى تعليمه في مدارس القرية
المدنية ولم يتلقى تعليماً أزهرياً في سابقة له على غيره من مشاهير العلماء، انتمى
في البداية إلى الطريقة الحصافية الصوفية، حيث استطاع أن يخلص إلى لب التصوف وأنه
ضروري لبناء شخصية المسلم كما يقول،
ثم انتقل إلى القاهرة ليتابع دراسته في دار
العلوم حيث أصابته صدمة الحداثة، حيث كانت القاهرة في عشرينيات القرن الماضي تعيش
الصراع الذي تعيشه الأمة، بين المتدينين الحالمين باستعادة الخلافة الإسلامية بعد
سقوطها، واللبراليين الطامحين إلى بناء الدولة المدنية على النمط الغربي .

تنبه الشاب حسن
البنا إلى هذا الصراع، فاختار جانب المتدينيين حيث تتلمذ على يد المجدديين من
السلفيين في عصره، وأهمهم محب الدين الخطيب، و رشيد رضا، ثم انتمى إلى جمعية
الشبان المسلميين التي أسسها نخبة المجتمع الإسلامي من مثقفين وعلماء، على غرار
جمعية الشبان المسيحيين في ذاك الوقت، لكن حسن البنا بذكائه الذي يشهد به حتى
أعدائه له، عرف نقطة ضعف التيارات السياسية في ذلك الوقت، وهي التحول لنخب وترك
القواعد الشعبية فاختار أن يمارس النشاط الدعوي بنفسه في الشوارع والمقاهي، وليس
على منابر المساجد أو في الصالونات الثقافية كما جرت العادة.

كانت خطوته الأولى في مدينة الإسماعيلية التي
أرسل إليها مدرساً، حيث استغل الوجود الكبير للقوات الأجنبية وما رافقه من ممارسات
لايرضى عنها المسلمون كشرب الخمور العلني ليقنع الناس بفكره، فتشكلت هناك أول(
أسرة ) كما يسميها الإخوان المسلمون من ستة أشخاص بسطاء وهم باللهجة المصرية
(مكوجي، سباك، حلاق، جنايني، نجار، عجلاتي)، تلك كانت النواة الأولى لحركة الإخوان
المسلمين. استغل حسن البنا ما يتمتع به من صفات كاريزمية، وهي القدرة الهائلة على
الحشد والتنظيم والخطابة للدعوة، حيث بدأ بالتأسيس من القاعدة إلى الرأس وليس
العكس، وهو أمر سارت عليه جميع الحركات الإسلامية بعده، الأمر الذي أتاح لها قواعد
شعبة لم يمتلكها أي حزب سياسي آخر.أخذ حسن البنا يجوب القرى والنجوع في كافة أنحاء
مصر في سبيل دعوته، حيث يشير رفعت السعيد في كتابه (حسن البنا :مؤسس الأخوان
المسلمين)، أن هذه الرحلات استمرت خمسة عشر عاماً، زار خلالها أكثر من ألفي قرية
وزار بعضها عدة مرات، حتى صار خبيراً بأهلها وعلى علاقة شخصية معهم، ويعلق السعيد
على هذا فيذكر أن هذه الشبكة من العلاقات الواسعة جداً كانت هي مصدر زعامة البنا
وهيمنته على الجماعة، فإن عشرات الآلاف من أعضاء الجماعة كانوا يفخرون بأنهم
أصدقاء شخصيون للبنا، وبهذه العلاقات أقام البنا جماعته وهيمن عليها.

اختار البنا لجماعته أن تكون جماعة كهنوتية من
حيث التنظيم، لها هيكل هرمي دقيق يسهل التحكم بها، وتقوم على الطاعة العمياء
للمرشد أي هو، وهذا يبدو واضحاً في قسم الانتماء للجماعة أو ما يسمى البيعة لديهم
وهو نصاً ” أعاهد الله العلي العظيم على التمسك بدعوة الإخوان المسلمين،
والجهاد في سبيلها، والقيام بشرائط عضويتها، والثقة التامة بقيادتها، والسمع
والطاعة في المنشط والمكره ، وأقسم بالله على ذلك “. يثير محتوى هذا القسم
العديد من علامات الاستفهام حوله، فهو يهدف إلى إقناع المنتسب الجديد بأن الحركة
هي الإسلام ذاته، وأن المرشد هو بمقام الرسول، وهذا يؤكده عمر التلمساني المرشد
الثالث للأخوان في تعليقه على القسم بقوله : “إن الأخ المسلم إذا بايع رئيس
الجماعة، فهو لا يبايع إنسان بذاته بل يبايع الله سبحانه وتعالى على الوفاء مخلصاً
في العمل الذي أراد أن يشارك فيه”، ثم يضيف التلمساني مستشهداً بالآية
الكريمة، (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)، علماً بأن
هذه الأية موجهة إلى الرسول الكريم في محاولة للخلط بين مفهوم المرشد والرسول .

استطاع البنا حشد عشرات الآلاف في حركته، حتى
أصبحت ثاني أقوى الحركات السياسية في مصر بعد حزب الوفد، مما دفع الملك للتعاون
معها وتسهيل انتشارها للوقوف في وجه الوفديين، خصوصاً وأن الملك فاروق كان يحلم
بإعلان نفسه خليفة للمسلمين لملء فراغ الخلافة الضائعة . وهو خطأ درجت عليه
الحكومات العربية لاحقاً، بدعم الإسلاميين في مواجهة التيارات السياسية الأخرى،
معتقدةً أنه يسهل السيطرة عليها، فما أن تتمكن تلك الحركات حتى تكوي الحكومات بنارها .وهذا ما حدث فبعد أن ترسخت
دعوة البنا وكثر أنصارها بدأت تظهر أحلامه بالخلافة، الأمر الذي أسس لبداية الخلاف
مع الملك .

بدأ البنا بتأسيس مايسمى بالنظام الخاص للإخوان
1940 وهو نظام عسكري، هدفه بحسب “محمد مهدي عاكف” إعداد نخبة منتقاة من
الإخوان المسلمين، للقيام بمهام خاصة والتدريب على العمليات العسكرية ضد العدو
الخارجي، الذي يمثل وقتها بحسب محمود عبد الحليم القيادي في النظام الخاص،المحتل
الإنكليزي داخل مصر والمشروع الصهيوني لإحتلال فلسطين، أبلى هذا التنظيم بلاءاً
حسناً في حرب فلسطين عام 1948 إلى جانب الجيش المصري، وقام بعدة عمليات ضد
الإنكليز في مصر، ولكن سرعان ما توسع مفهوم العدو لدى التنظيم ليشمل كل من يقف
بوجه الإخوان المسلمين، لينفلت التنظيم من عقاله مع قائده “عبد الرحمن السندي”،
ويخرج عن طاعة المرشد بتنفيذ عملية اغتيال بحق القاضي أحمد الخازندار، الذي حكم
بالمؤبد على اثنين من أعضاء النظام الخاص، والتي دار جدل كبير حول علم البنا بتلك
العملية من عدمه، لكن أغلب شهادات الإخوان تشير إلى عدم علمه، وأنه غضب لدرجة شد
شعره عند سماعه خبر الإغتيال بحسب مذكرات يوسف القرضاوي، حيث عقدت محاكمة إخوانية
للسندي علل فيها أمره بقتل الخازندار بأنه سمع البنا يقول :” اللهم أرحنا منه”،
فاعتبرها أمراً ضمنياً باغتياله.

توالت عمليات
النظام الخاص الذي بات خارجاً عن سيطرة البنا، لتأتي حادثة سيارة الجيب الشهيرة، التي كانت تحمل الأوراق السرية للنظام الخاص والتي أمسكها
الأمن المصري، ومن ثم محاولة تفجير مبنى المحكمة لحرق أوراق القضية والتي كادت أن
تودي بحياة مئات الأشخاص، لكنها أودت بالإخوان حيث أصدر النقراشي باشا رئيس
الحكومة قراراً بحل الجماعة، فتم اغتياله على يد النظام الخاص، مما دفع الأمن
المصري لإعتقال جميع قيادي الإخوان عدا حسن البنا، الذي طالب بإعتقاله في وقتها
ولكن الأمن رفض، فعرف الرجل أنه مقتول لا محالة، فوضع تحت الإقامة الجبرية وتم
اغتياله بعدد ستين يوماً في 12 فبراير 1949 ، ليدفع الرجل حياته ثمناً للعب بنار
إنشاء تنظيم ديني مسلح .

شاهد أيضاً

«نصوص الأرض» تعكس أزمة الراهن مسرحياً

بعد نصوص مسرحية عدّة مثل «زمن الحصار»، «القرار»، «فصول السنة المصرية»، «القلعة والعصفور»، «فخ النعامة»، …

صدر قديماً: “المغرب الاقصى” وطواحين هواء أمين الريحاني

يُحدِّد كتابُ “المغرب الأقصى: رحلةٌ في منطقة الحماية الإسبانية”، الواقعُ في 690 صفحة، والذي جرى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

twelve − 6 =