الآن
الرئيسية / ثقافة / شخصيات أسست للعنف الديني ابن تيمية (السياق التاريخي)

شخصيات أسست للعنف الديني ابن تيمية (السياق التاريخي)

أحمد العربي

أحمد بن عبد الحليم بن عبد
السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية النميري، ويقال إن جده كانت أمه تسمى
تيمية، وكانت واعضة فنسب إليها هو وبنوه
، كما ورد في كتاب تذكرة الحفاظ للذهبي.

ولد في سنة 661 ه في حران
شمال سوريا بين الخابور والفرات، وهو أحد علماء الحنابلة. اشتهر في مجالات عدة
أهمها: الفقه والحديث والعقيدة وأصول الفقه والفلسفة والمنطق والفلك، كما برع في
الحساب والجبر، وكان مفضلاً للعلوم الطبيعية والرياضية على الفلسفة الإلهية وكتب
في الرد على الفلاسفة الرواقيين الذين تبنوا رأي أرسطو في كتابه الرد على
المنطقيين.

ارتبط اسم ابن تيمية بأذهان
الناس جميعاً بالتشدد وفتاوى التكفير، وهو أمر عائد لتبني أغلب الجماعات
الراديكالية الإسلامية وبخاصة الوهابية والسلفية الجهادية لفتاويه التي تبدو فعلاً
للمطلع عليها مبالغة في تكفير الفرق الإسلامية والأفراد، ولكن ستختلف الرؤية لتلك
الفتاوى في حال وضعت في سياقها التاريخي، وقراءة تاريخ هذا الرجل.

لقد كان ذلك العصر عصر فوضى
بامتياز سياسياً ودينياً وفكرياً، حيث ضعفت السلطة المركزية للدولة العباسية وظهرت
دول وإمارات متعددة، إضافة للحروب مع المغول التي أنهت الدولة العباسية فعلياً إلى
جانب دخول العنصر الأجنبي بقوة على الدولة العربية حكاماً وعلماء وفلاسفة، ما أدى
إلى ظهور طوائف متعددة وتيارات فلسفية دينية شتى، فكانت سمة التشدد في الفتوى
مبررة من جميع العلماء في ذلك العصر لحماية صحيح الدين والتمسك بآراء السلف وغلق
باب الاجتهاد واعتماد الفتاوى على النقل والقياس. حيث كانت تهمة الكفر ورمي الآخر
بخلل العقيدة واعتبار كل جديد بدعة أمراً شائعاً في تلك الفترة. فالمعتزلة في
الفترة التي تحالفوا فيها مع سلطة المعتصم والواثق، نكلوا بكل من لم يتفق معهم في
مسألة خلق القرآن ومنهم الإمام أحمد بن حنبل وابن نصر الخزاعي، الذي يورد ابن
الجوزي في تاريخه أن الخليفة الواثق حاكمه بحضور أئمة المعتزلة، ولما رفض الإقرار
بخلق القرآن قتله الواثق بيده تقرباً بدمه إلى الله، وقطع رأسه، وعلق ببغداد، وصلب
جسده بسامراء، وعندما أتى عصر المتوكل الذي كان مقتنعاً بأفكار الحنابلة الذين
اضطهدوا في تلك الفترة الصوفية والمعتزلة وغيرهم، ثم مالبث الصوفيون أن سيطروا في
عهد المماليك والعثمانيين، فانتقموا من خصومهم الحنابلة ومنهم ابن تيمية الذي حورب
وكفر، ودعي إلى مصر لمناظرة مشايخ الصوفية وعلماء من الشافعية والمالكية والحنفية،
ومنهم تقي الدين السبكي وابن جماعة وابن حجر الهيتمي تلك المناظرة التي أدت إلى
حبسه في سجن قلعة الجبل سنة ونصف، خرج بعدها ليحبس لثمانية أشهر بعد مناظرة أخرى
في برج القاهرة، ومن ثم عاد إلى دمشق ليحبس في سجن قلعتها الذي توفي فيه. لعل هذا
التنكيل بابن تيمية ومن سبقه من علماء الحنابلة يبرر التشدد في فتاويه بحق
المعتزلة والفلاسفة والمتصوفة وتكفيره لهم كما كفروه، فتلك كما يبدو سمة العصر كما
تحدثنا، لكن ما يميز تلك الأحداث أنها كانت تسبق بمناظرات، أي يعطى للشخص حق الدفاع
عن رأيه وإن شكلياً، في حين الجماعات التكفيرية اليوم تأخذ على الشبهة، وكان
الصراع فكري يأخذ شكلاً قانونياً في إطار القضاء والدولة وليس عبر الأتباع لكل
فرقة، وإن كان الحنابلة لبعدهم عن السلطة شددوا على موضوع تغيير المنكر باليد، الأمر
الذي فتح الباب أمام أي شخص ليحل محل القضاء، وينفذ أحكاماً كيفية تتبع رؤيته
الشخصية وفهمه.

وبهذا يكون الاختلاف بين
زماننا وذاك الزمن كبيراً بشكل كافٍ لإسقاط فتاوى ذاك العصر، فالإسلام اليوم مستقر
فكرياً وعقائدياً، ولا يخشى عليه من الضياع، ولم يعد هناك من داعٍ لاعتبار أي جديد
أو تجديد بدعة تستوجب قتل صاحبها، كما يفعل من يعيدون إحياء فتاوى ابن تيمية
ويخرجونها من سياقها التاريخي وظروفها ليسقطوها على زمان مختلف تماماً، وإن كان
للعنف الذي تمارسه الأنظمة تجاه الإسلاميين بكل توجهاتهم دور في تشددهم تجاه الآخر،
لكن لا يبرر ما يمارس من إرهاب بحق المجتمعات التي يعيشون فيها بكاملها.

أما عن فتاوى ابن تيمية في
جهاد الدفع ورد الصائل التي يؤسس عليها الفكر الجهادي، فنلاحظ أنها تعود لفترة
الغزو المغولي للشام زمن السلطان غازان حفيد هولاكو، والذي كان مسلماً فنجد ابن
تيمية يحاوره على رأس وفد من أعيان دمشق قبل قتاله لأنه مسلم، فيقول له كما أورد
الذهبي كتابه الذي ذكرناه سابقاً: “قال ابن تيمية لغازان وهو يقترب منه حتى
تلاصقت ركبتاه وركبتا السلطان: أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام ومؤذنون على
مابدا لنا، فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت
عاهدت، فغدرت، وقلت فما وفيت “

وهنا نلاحظ تقديم الحوار
حتى مع العدو إن كان مسلماً قبل قتاله، وهذا أمر لم تفعله الجماعات الإرهابية
الإسلامية التي تدّعي العمل بفكر ابن تيمية، فبعد مايقارب ثلاث سنوات من تلك
الحادثة، ولما يئس من ردع السلطان غازان، أخذ ابن تيمية يحث الناس في دمشق وحلب على
الجهاد حيث انتدبه الناس بعدها ليكون رسولهم إلى السلطان الناصر بن قلاوون في مصر،
فذهب ونجحت مساعيه في توحيد جيوش المسلمين التي التقت مع المغول في معركة شقحب،
وشارك ابن تيمية في تلك المعركة حيث أفتى للجنود بالإفطار، لأن المعركة كانت في
رمضان، وأخذ يدور على الجند وبيده طعام يحثُّهم على الأكل نظراً لأهمية المعركة
ولزوم النصر فيها، وهذا ماتم حيث انتصروا على المغول، وتلك الفتوى تأخذ بها داعش
الآن فعناصرها يفطرون في رمضان بدعوى أنهم مجاهدون، وما أبعد معركتهم عن المعركة
التي أفتى فيها ابن تيمية بالإفطار للجند، ونجده حتى عندما أفتى بالجهاد وجه
الدعوة للحكام وليس الأفراد، ولقتال عدو الأمة وليس أبناءها، وهذا ما لا يلتزم به
من يدعون اتباع أفكاره من الجهاديين الذين يقدمون قتال المسلمين على قتال إسرائيل.
الأمر الأهم في تاريخ تلك الفترة، هو أنه بعد الانتصار على المماليك عاد ابن تيمية
إلى الشام فلاقى استقبالاً شعبياً كبيراً أخاف السلطان الناصر بن قلاوون من تعاظم
شعبيته، فلما أحس ابن تيمية بهذا الخوف قال
له ” أنا رجل ملة، ولست رجل دولة” وهذا ما يدعو للدهشة، فجميع من يدعون
إتباع أفكاره من الجماعات الجهادية تسعى للاستحواذ على السلطة في كل بلد توجد فيه.

لسنا بصدد تقييم شخصية ابن تيمية في هذا المقال
وهو من يدور حوله جدل كبير، ولكن قصدنا إظهار السياق التاريخي لبعض فتاويه التي
يعتمد عليها من يدّعي اتباعه، وما أكثرهم من أصحاب الفكر المتطرف والذين سنتناولهم
في المقالات القادمة.

شاهد أيضاً

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

الموسيقى العربية من العصر الجاهلي إلى التكنو الحديث في باريس

يجول معرض في باريس على تاريخ الموسيقى العربية في عهودها المختلفة، من الحداء في الجاهلية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

seventeen + ten =