الآن
الرئيسية / رأي / باقيان… ولكن دون تمدد

باقيان… ولكن دون تمدد

عبد القادر عبد اللي
ليس من باب السخرية، ولكنها الحقيقة: “الأسد يعزل تشاك هيغل” والغريب أن كثيراً من صحافة العالم، وخاصة الصحافة التركية استخدمت عناوين مشابهة لهذا العنوان، ولكن صحافة الممانعة لم تستخدمه، هل فاتها هذا العنوان، أم أنها لم ترد التباهي؟
قليلون جداً من يستخدمون كلمة ‪”استقالة‪” في قضية فقدان تشاك هيغل لمنصبه، فقد عُزل وزير الدفاع الأمريكي، أي طُلب منه تقديم الاستقالة، وهذا يعني عزلاً، وهناك شبه إجماع على أن سبب العزل هو موقفه من الأسد وعبارته التي أصبحت من أشهر العبارات في الفترة الأخيرة: “لا يمكن القضاء على داعش دون القضاء على الأسد”.
بعد فوز الجمهوريين في الانتخابات الفرعية الأمريكية، وتحقيقهم غالبية في مجلسي الشيوخ والنواب تفاءل كثيرون بالضغط على أوباما من أجل أن يتحرك فعلياً على صعيد القضية السورية خاصة وأن حلفاءه جميعاً –باستثناء إسرائيل- يضغطون من أجل إيجاد حل، وشهدت الدبلوماسية الغربية حركات نشطة بين تركيا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا لكسب التأييد من أجل إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، ولكن المفاجأة أن أوباما هرب إلى الأمام أكثر، وأقال –أو طلب استقالة- أهم صوت داخل إدارته يؤيد حلفاء الولايات المتحدة بأن يتحرك في سبيل حل القضية السورية.
 الأمر الغريب أيضاً أن هيغل كان مؤيداً للخطة التركية بإقامة “منطقة آمنة” في الشمال السوري تديرها المعارضة السورية، ويحميها الجيش السوري الحر بدعم جوي من التحالف الدولي الذي يقاتل تنظيم “الدولة الإسلامية – داعش”، وجاءت إقالة هذا الوزير لترفع مؤقتاً قضية المنطقة الآمنة على الرف من جديد، وتبقيها ضمن ما تسميه الولايات المتحدة “أحد الخيارات المطروحة”.
لم يعد خافياً إذاً أن الولايات المتحدة الأمريكية تؤيد بقاء الأسد، وتؤيد أيضاً إعادة أنظمة بن علي ومبارك والقذافي إلى الحكم، وحتى إنها تعمل على هذا بكل ما أوتيت من قوة، فهل تنجح؟ هذا ما ستثبته الأيام… حتى الآن عندما نفكّر في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية نجدها منسجمة في دعمها لطغاتها الذين قدموا لها أكبر الخدمات إلا في نقطة واحدة؟ وهي إيران… ما الذي يجعل الولايات المتحدة تتحالف إلى هذه الدرجة مع إيران؟ وهي تحاول إعادة الأنظمة الدكتاتورية العربية كلها، ما عدا العراق، فهي تريد الإبقاء على الديكتاتورية الإيرانية حاكمة في هذا البلد الذي يهدد في الوقت نفسه حلفاء الولايات المتحدة التي تبذل الجهد للإبقاء عليهم… نعم، يبدو الأمر خارج السياق العام للسياسة الأمريكية، فهل هو كذلك؟
لا ليس كذلك، بقدر ما تريد إدارة أوباما الإبقاء على الأسد، بقدر ما تريد الإبقاء على داعش أيضاً. ولنراجع التصريحات الأمريكية كلها: “تحجيم داعش”، “منع سيطرة داعش على مناطق جديدة”… وعندما يقال القضاء على داعش، سرعان ما تنطلق التعبيرات الفضفاضة: “نحتاج من خمس إلى عشر سنوات وربما أكثر لهذا الأمر” يا إلهي، من يستطيع أن يفسر هذه العبارة؟ إنها عبارة مفتوحة على الاحتمالات كلها. وعندما يُسأل الأمريكيون عن خطة للقضاء على داعش، يقولون بكل شفافية وصراحة: “لا يوجد لدينا خطة كهذه”. بالمختصر إن ما يريده الأمريكيون هو قبول النصف الأول من شعار داعش: “باقية وتتمدد”، ولكن نصفه الثاني مرفوض، أي لن تسمح لها الولايات المتحدة بالتمدد، وإن سمحت فستسمح بشكل محدود جداً على حساب بعض القوى الأخرى التي تقاتل النظام السوري، وليس على حساب حلفاء هذا النظام…
من جهة أخرى تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على تقوية داعش مادياً من خلال (ارتكاب الأخطاء) بإلقاء الأسلحة إليها بالمظلات من جهة، ومن خلال تسليم حلفائها من الجيش العراقي مستودعات أسلحة وذخائر من جهة أخرى. أما تقويتها على الصعيد البشري، فكلما خسر هذا التنظيم بضعة عشرات من مقاتليه، تقدم الولايات المتحدة بضعة تصريحات مؤيدة للأسد، وترفقها بمنع الدعم عن التيارات السورية المعتدلة، وهذا يكفي لتحول هذه التيارات من الاعتدال إلى التطرف، وتسارع بالانضمام إلى “داعش” أو التنظيمات الاحتياطية لداعش ليبقى المخزون البشري متوازناً… ولا تنفصل البراميل المتفجرة التي أُلقيت على الرقة في الفترة الأخيرة عن هذا السياق، فقد سمحتْ للنظام بارتكاب هذه المجزرة من أجل تأجيج المزيد من التطرف، والمزيد من الأنصار للمتطرفين، وإذا نظرنا إلى النتيجة نجد أن البيعات الأخيرة لكل من داعش وشبيهاتها قد تزايدت…
وسط هذه الأحداث يشرأب موظفو الولي الفقيه في سورية ليعلنوا انتصارهم استناداً إلى مواقف الولايات المتحدة، ويعتبرون النصر هو “البقاء والتمدد” أي بقاء النظام، وتمدده في بعض المناطق… ولكنهم يتجاهلون هؤلاء أيضاً حقيقة مهمة، وهي أن الولايات المتحدة تريدهم على قيد الحياة فقط، ولا تريدهم منتصرين. بالطبع البقاء على قيد الحياة بالنسبة لموظفي الولي الفقيه في سورية هو انتصار… فهذا أسلوب قديم جداً يتذكره أبناء جيلنا جيداً: أما كانت نكسة حزيران انتصاراً؟ لأن إسرائيل أرادت إسقاط الأنظمة التقدمية وفشلت؟ واليوم تدمير سورية ليس هزيمة، وليس خسارة، لأن النظام باق… ولكن هل يسمحوا له بالتمدد؟

شاهد أيضاً

جلال بكور

كيف ستواجه السعودية عواقب “خاشقجي”؟

اللغز المحير الذي ما يزال يرافق قضية اختفاء الصحفي السعودي “جمال خاشقجي”، وما يجري الحديث …

جلال بكور

لماذا أبقت أمريكا على النظام

يقول المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “جيمس جيفري” إن بشار الأسد يحكم دولة بمثابة “جثة” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fifteen + three =