الآن
الرئيسية / اقتصاد / انخفاض أسعار النفط الآثار والتداعيات على القضية السورية

انخفاض أسعار النفط الآثار والتداعيات على القضية السورية

د. رفعت عامر
تاريخياً تعاني منطقة الشرق الأوسط من تواجد قوي للقوى الدولية لأسباب متنوعة منها ،أولا: وجود مصدر الطاقة الأساسي والرخيص فيها، ثانياً: وجود إسرائيل المدعومة من الدول  الغربية. ثالثاً: الموقع الجيو سياسي وأهميته التاريخية . رابعاً: غياب مشاريع  تنمية وبناء حقيقية وإستراتيجيات دفاع وأمن قومي لدول المنطقة وشعوبها، مما شكل فراغاً كان حافزاً للدول بغزو المنطقة بأشكال مختلفة مباشرة وغير مباشرة (فالطبيعة تكره الفراغ) .
إن صراع القوى الدولية وتشابك مصالحها في منطقة الشرق الأوسط جعلت من الساحة السورية مركز لهذا الصراع، حيث يُعاد تشكيل جديد للشرق الأوسط ينهي التوازنات التي أقامتها اتفاقية سايكس بيكو إلى توازن قادم لم يتبلور شكله النهائي بعد، وهذا ما يفسر استمرار الأزمة في سوريا بدون حل حتى تاريخه.
في هذا السياق يبرز النفط كأحد أهم العوامل والأدوات في هذه الحرب الكونية التي تميزت عن الحروب العالمية السابقة، بحصر المواجهات بين الأطراف المتصارعة فيها على بقعة محددة جغرافياً وهي الأرض السورية مع امتدادات إقليمية مازالت محدودة وتحت السيطرة .
كيف تستخدم ورقة النفط في هذا الصراع ؟ ولماذا تنخفض أسعاره رغم التوتر والأزمة السياسية في منطقة الشرق الأوسط  ؟
الطبيعي في مثل هذه الظروف المشابهة لما يحدث في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط أن يحدث رد فعل سريع ومباشر لجهة ارتفاع أسعار النفط العالمية، حتى أن الارتفاع في الأسعار عادة يحدث  لمجرد احتمالات الحرب وليس الحرب بحد ذاتها .
لقد كان المتوقع بسبب الأزمة السورية وتداعياتها أن يتجاوز سعر البرميل حدود 120$، وعلى العكس من ذلك انخفض السعر إلى مادون 80 $ للبرميل الواحد، ويتوقع أن يصل إلى 60$.
وللجواب عن هذا التساؤل  يكون ذلك في تفسير و معرفة ما تريده  أميركا والسعودية المسئولتين عن هذا الانخفاض، والذي يهدف إلى  خلق أزمة مالية اقتصادية لدى إيران وروسيا يُمكن استثمارها سياسياً.
أميركا نسقت واتفقت مع المملكة السعودية بزيادة إنتاج النفط إلى حوالي 300 ألف برميل يومياً حتى الآن ، مما يزيد من المعروض منه في الأسواق العالمية، وترافق ذلك مع انخفاض الطلب على  هذه المادة الإستراتيجية بسبب بطئ النمو في الاقتصاد العالمي وخصوصاً أوروبا والصين، وبهذا تضرب أميركا العصفورين “إيران وروسيا”  بحجر واحد على خاصرتهم  الرخوة وهي الاقتصاد، بهدف إجبار إيران لتقديم تنازلات  فيما يخص المفاوضات المتعلقة بملفها النووي ودورها الإقليمي،  من خلال إضعاف قدرتها على الدعم المالي لحزب الله (حالش)، والنظام السوري والعراقي، مع العلم أن النفط يشكل 70% من موارد الدخل لدي إيران، بهذا سترهق موازنتها  التي بُنيت على أساس حد أدنى لسعر البرميل ب 83 دولار وبأقل من ذلك ستتجه الأمور إلى الأزمة، واستمرار هذا السعر طويلا سيعرض الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار الذي يعاني أصلا من ضغوط تضخمية، وانخفاض سعر صرف عملتها الوطنية، وتدن كبير في مستوى معيشة مواطنيها ،وينذر ذلك بتحول الربيع العربي إلى الشارع الإيراني، بعد أن  تجاوز دورها الإقليمي وتدخلها في الصراع السوري بشكل مباشر كل الحدود التي يسمح بها اقتصادها . 
أما روسيا التي شكلت طفرتها المالية من العملات الصعبة في السنوات العشر الأخيرة رقما لم يشهده الاقتصاد الروسي من قبل والذي وصل إلى ما يقارب 500 مليار دولار، كان أساس هذه الطفرة ارتفاع سعر النفط عالمياً، حيث تشكل صادرات النفط  حوالي 65% من قيمة موارد الدخل لديها، وهي الآن مهددة بخسارة هذا الاحتياطي لدعم سعر صرف عملتها التي فقدت 17% من قيمتها حتى الآن، وهي تحاول حتى الآن التخفيف من أثر الضغوط التضخمية على اقتصادها بعد أن بنت خططها وموازنتها المالية  بسعر للبرميل   بين 80$الى 90 $  ستكون أيضاً مهددة بإنفاق هذا الاحتياطي النقدي مع ضغوط ولدها أساساً الحصار الاقتصادي الأوروبي، واحتمال فك ارتباطها بالأسواق الأوروبية المعتمدة على النفط والغاز الروسي، وهجرة الاستثمارات الأوروبية، مما سيدفعها أخيراً للتنازل في الملف الأوكراني وكبح  طموحها وجموحها في لعب دور فاعل على المسرح الدولي يعيد لها الهيبة المفقودة والخسائر التي تكبدتها، بسبب تراجع هذا الدور بعد سقوط الاتحاد السوفيتي .
أما السعودية ستكون رابحة لجهة إضعاف الدور الإيراني في المنطقة عموماً وفي سوريا خصوصاً، و لصالح تقوية دور الحلف السعودي التركي المصري المحتمل، بعد أن أبعدت شبح انتقال الربيع العربي إلى صحرائها السياسية الداخلية الفقيرة إلى أبسط حقوق الإنسان.
وفي النهاية الخاسر الأكبر من كل ما يحدث هي سوريا شعباً ودولة، والرابح الأكبر من هذا كله هي أميركا وإسرائيل بالدرجة الأولى .

شاهد أيضاً

اكتشافات الغاز في شرق المتوسط تساهم في صوغ علاقات اقتصادية جديدة مع أوروبا

يتباين إنتاج النفط والغاز من وقت إلى آخر بين ارتفاع وانخفاض، ما يوازيه تباين في …

الهند.. أكبر قضية احتيال مصرفي قد تتجاوز 3 مليارات

توقعت إدارة الضرائب في الهند أن تتضرر البنوك المحلية من خسائر تتجاوز قيمتها الثلاثة مليارات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 6 =