الآن
الرئيسية / تحقيقات / القضاء في المناطق المحررة..بين الاختصاص والحكم الشرعي

القضاء في المناطق المحررة..بين الاختصاص والحكم الشرعي

مصطفى محمد- صدى الشام- حلب
“الله يفرجينا فيكم يوم يا ظلّام الهيئات الشرعية، يا من أفسدتم الثورة، وكرامة الإنسان. التاريخ لن يغفر لكم جرائمكم، التي ترتكبونها تحت عباءة الدين، هذا الدين براء منكم”، هي كلمات مقتبسة عن صفحة موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” لأحد محامي حلب الأحرار.
لم يجد هذا الحقوقي إلا هذه الكلمات رداً على قصة اطّلع عليها، ويروي مختصرها: بقصة رجل تم توقيفه في الهيئة الشرعية في مدينة حلب، لمدة شهر متواصل، بتهمة “التشّبيح”، تعرض فيها هذا الرجل لشتّى أنواع التعذيب، والضرب المبرح حتى تورمت قدماه، لينتهي التحقيق معه عبر إخلاء سبيله، مع حكم براءة من هذه التهمة!
 وبحسب الحقوقي، لم تنتهِ فصول حكاية سوء طالع هذا الرجل المؤيد للثورة بكل جوارحه، بحسب وصفه هنا، فقد تم مؤخراً اعتقاله من قبل إحدى الهيئات القضائية، المختلفة عن السابقة، فالمدينة تعج بالمحاكم والهيئات.
يختم الحقوقي حديثه متسائلاً، ماذا سوف تقولون له بعد شهر من الآن؟ وهل سوف تتورم قدماه أيضاً؟
ويُعتبر اليوم التحدي القضائي، من أهم التحديات التي تتجسد أمام أي شكل سوف يحكم بعد حرب مستعرة دمرت كل شيء، إن كان نظاماً أو حزباً، أو فصيلاً عسكرياً.
هيئات شرعية مقسّمة
تتواجد في مناطق مدينة حلب الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة، عدا الريف، ثلاث هيئات شرعية، وهي “القضاء الشرعي”، و”الهيئة الرباعية”، و”المؤسسة الأمنية/لواء التوحيد”، يطبّق بعضها “القانون العربي الموحد”، الذي وضعته جامعة الدول العربية، مع تقنين “الشريعة الإسلامية”، فضلاً عن منع بعضها للتقنين، حيث تعتمد الشريعة الإسلامية كمصدر وقانون وحيد لمحاكماتها.
ومن جانبه يوضح المسؤول والقاضي الشرعي في “الهيئة الشرعية” بحلب، الشيخ مضر رضوان لـ”صدى الشام” إن، “التواصل فيما بين هذه الهيئات قد لايرقى إلى التواصل الفعال، مع اتفاق الرؤية بين بعض الفصائل على شكل القضاء السوري المقبل”. ويتابع،”بل قد يكون هذا التواصل معدوماً أحياناً، وهو الأمر الذي نسعى إلى تداركه، بيد أن جملة من العراقيل تحول دون ذلك”.معلّقاً بالقول: “لا أدري ما هو السبب، قد تكون مصالح شخصية ضيقة”.
ويؤكد الشيخ أن “تقنين الشريعة” الذي هو خلاف فقهي، حرمّه بعض العلماء، وأجازه البعض الآخر، والذي تطبقه الهيئة الشرعية، والمؤسسة الأمنية، مقابل رفض تطبيقه من قبل جبهة النصرة، وحركة أحرار الشام، وجيش المهاجرين والأنصار، هو أحد أهم أسباب عدم التوحد.
ويوضح بالقول:”لاخلاف على الحدود، لكن الخلاف يقع في التعازير الفضفاضة، والمختلفة باختلاف الفقيه”، مشيراً إلى أن، “نقص عدد القضاة المؤهلين، وخصوصية المرحلة تفرض الأخذ بالتقنين، وهو مايفسر غياب الحكم الواحد لدى هذه الجهات التي لاتعتمد قانوناً واحداً في مدينة حلب، فالحكم يعود هنا لاجتهاد القاضي”.
الحكم للسلاح..
غياب القضاة المؤهلين، حمّل المسؤولية لطرفين قد يكونا غير مؤهلين. هذان الطرفان المعنيان بالقضاء: الشيخ والمحامي، يحمّل كل منهما الآخر المسؤولية الكاملة عن فشل القضاء.
“صدى الشام” استطلعت آراء الطرفين، فبحسب المحامي “يوسف حسين” فإن “سبب ضياع العدل، هو تحكم الشيوخ فقط، لأنهم أبعدوا أصحاب الاختصاص، وتحكموا منفردين بالقضاء، ونصّبوا أنفسهم قضاة”.
ويوضح حسين، في حديثه لـ”صدى الشام”، أن”هؤلاء المشايخ فرضوا أنفسهم على القضاء، عبر دور تطبيق الشريعة الإسلامية، مشيراً إلى أن غالبيتهم لايعرفون طريقة الحكم، لأنهم لم يدرسوا القضاء، ولا طريقة تطبيق الأحكام على الوقائع”.
ولا يكتفي هنا، يل يوجه اللوم للمحامين الذين عملوا في الهيئات الشرعية، “لأنهم يشاهدون الخطأ، ويسكتون عنه”، حسب وصفه، “مقابل وجود محامين شرفاء قرروا الانسحاب من هذه الهيئات”.
ووفق حسين، فقد مثلت التهمة الجاهزة “العلمانية” المركز، الذي تم على إثره استبعاد المحامي “الحلقة الأضعف”، مقابل إفساح المجال لشيوخٍ محسوبين على فصائل عسكرية، كرسوا عبر تصرفاتهم، وانتماءاتهم “حكم البارودة” الذي يمارَس الآن في المدينة.
ويرد الشيخ مضر رضوان، على تلك الاتهامات، بأنها اتهامات مبالغ فيها، مضيفاً أن “تغييب دور الشريعة، زمن النظام السابق، كان مسؤولاً عن تحويل القضاء إلى وجهة قانونية بحتة، فلا يصلح المحامي أن يكون قاضياً، وهو يفتقر إلى فقه الشريعة، وروح الشريعة الإسلامية، وفقه الواقع”.
معقباً أن، “أغلب المشايخ الذين يتهمهم المحامون بالـ “التنفّذ” لم يشاركوا بالثورة”، متسائلاً:”أين المشايخ، الذين يلقون اللوم عليهم، ألم يتركوا البلاد؟”.
وفي الطرف المقابل يشدد”الشيخ مضر” على أن “طالب العلم، لايصلح لأن يكون قاضياً أيضاً، إن لم يكن على اطلاع، وفهم بمفصليات القانون، لذلك لابد من تشكيل لجانٍ للحكم، يتشارك فيها المحامي والشيخ، حتى نوفّق بينهما، قد تكون لجاناً ثنائية أو ثلاثية”.
 ومقابل غياب القضاة عن مناطق المدينة، كشف الشيخ مضر، عن اعتزام الهيئات الشرعية، تنظيم ورش عمل في المستقبل القريب، تكون مهمتها تأهيل طرفي الحكم حالياً: المحامي، ورجل الدين.
وبيّن أن، “الحالة السورية الراهنة، تحتاج إلى ممارسات قضائية خصوصية أيضاً، فالمرحلة أوجدت الكثير من الجرائم، التي لم تكن معهودة سابقاً، فضلاً عن زيادة أعداد قضايا “الأحوال الشخصية”، المتعلقة بالطلاق، الإرث، النفقة، والتي تأتي بعدها قضايا السرقات، والجرائم الأخرى”.
وختم حديثه بالتنويه إلى أن القضاء في مدينة حلب ليس بأفضل حال، مشدداً على أهمية تواصل عمل القضاء، حتى ولو كان لايطبق إلا في حالات قليلة، فهذا القليل المتواصل لا بد أن يثمر ذات يوم.
القضاء سلاح لتدعيم النفوذ
“كثرٌ هم الأشخاص الذين يعتقدون أن القضاء هو سلطة يجب اغتنامها، وإمساك تلابيبها لتدعيم مناطق نفوذهم، في غمرة الصراع الدائر بين بعض الفصائل. لذلك ما لم يدرك الجميع حقيقة القضاء، لن ينتج عندنا قضاء حقيقي بالضرورة”، هكذا بدأ القاضي السوري السابق، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، حديثه.
 
وأضاف بالقول، “تبدأ مشكلتنا القضائية من جهل المقبلين عليها بكم الفروق بين وظيفة القاضي، وبين جوهر طالب العلم الشرعي، أو دور المحامي المتمرس”.
وأوضح أن، “الحياد هو روح القضاء، بينما قد يعطي كثير منهم للقضية الماثلة أمامهم صبغة شخصية، وتزامناً مع هذا الجهل، وتجرؤ بعضهم في سبيل استلام زمام المبادرة، على حدود لم يتجرأ عليها أعلام كبار، مثل الإمام “أبي حنيفة”، رحمه الله، مستدركاً بالقول: لا أتقصد الإساءة لهم”.
ورأى، أن كلا الطرفين غير قادر على الإلمام بكامل الأحكام القانونية، فضلاً عن جهلهم في أصول التقاضي، التي فرضتها تعقيدات الحياة المعاصرة، من التغيرات على العقود، والمعاملات المالية، والتجارية، والأفعال الجرمية المعاصرة.

شاهد أيضاً

الدمار في مخيم اليرموك - AFP

نظام الأسد يقدّم الخدمة الأكبر لإسرائيل

نجح نظام الأسد في تحويل فصائل “المقاومة” الفلسطينية إلى قتلة مأجورين في سوريا تحت راية …

ناشطون يطالبون بمحاكمة المجرم - انترنت

تقرير: أدلة تثبت تورط النظام في الهجوم الكيميائي على دوما

نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها “أدلة وتحقيقات إضافية”، قالت إنها “تثبت غالباً …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × five =