الآن
الرئيسية / تحقيقات / الشاعر فرج بيرقدار لـ”صدى الشام”: سنكون أصحاب أكبر تراثٍ عالمي في أدب السجون

الشاعر فرج بيرقدار لـ”صدى الشام”: سنكون أصحاب أكبر تراثٍ عالمي في أدب السجون

 

حوار وفاء نديم

كيف يحرِّر السجين من الخوف أولاً؟ ما هي
المفاعيل التي على المرء امتلاكها لتفكيك ذلك الخوف؟ هل الجميع يتخلصون من الخوف،
أم إن الأمر ينحصر في الشعراء ومن يتبعهم من
الغاوون؟ بهذا السؤال المفتاحي، دخلنا الى عوالم الشاعر فرج بيرقدار، وهو
الذي مزج بين تجربة السجن المريرة لقرابة أربعة عشر عاما وبين كتابة الشعر
.سنواتُ الجمر التي قضاها في أقبية النظام
السوري، بقيت تفاصيل تفاصيلها في الذاكرة
. الشاعر السوري فرج بيرقدار التقته صدى الشام في اسطنبول. لتبدأ الأجوبة تنهال من بين شفتيه، تغذيها ذاكرة ثرّة، ما هرمت قط.

– كيف يتم التخلص من ذلك الرعب أستاذ
بيرقدار؟

لقد تمكن نظام الأسد
الأب، منذ أواسط السبعينيات وبصورة متصاعدة، أن يعمِّم صورةً عقابيةً فادحة
التكاليف لما تعنيه سجونه، حيال أي صوتٍ معارض
. كان معظم الكتَّاب الشرفاء في سوريا، إن لم أقل كلهم، يتحايلون على ما
ينبغي لهم قوله لغةً وترميزاً ورقابةً ذاتية، خشية التعرّض للاعتقال
.خطأ تنضيدي بسيط كان يمكن أن يودي بصاحبه
إلى مكان
(الداخل
إليه مفقود والخارج منه مولود
). كان التهديد بالسجن شيء شبيه بسيف ديموقليس. ولكن، حين يتعرض المرء للاعتقال فإن التهديد بالسجن يفقد مفعوله.اقتحام الخطر أقل وطأة من انتظاره.بالطبع أتحدث عن سجون الأسد كما كانت عليه
إلى ما قبل انطلاقة الثورة، ذلك أنها بعد الثورة فقدت معناها ووظيفتها، وتحولت إلى
ما يشبه المجتلدات الرومانية بل إلى ما يشبه المسالخ
. بالطبع يتباين السجناء في درجة تخلصهم من الخوف، وذلك تبعاً لظروف كلٍ
منهم، كما لتوقعاته واستعداداته المسبقة، وفهمه وخبرته وقناعته وإرادته
.لكن بصورة عامة، فإن من يعتقدون أو يعرفون
أن فترة اعتقالهم ستطول يكونون في الغالب أكثر تحرراً من خوفهم
.ذات يوم طلبني ضابط أمن وكان اللقاء في
غرفة مدير السجن
. كنت أتحدث مع ضابط الأمن عن ديكتاتورية نظامه ولا شرعيته.بعد اللقاء، قال لي مدير السجن:غريب أمرك يا رجلألا تحسب حساباً لنتائج حديثك مع ضابط الأمن؟

قلت ساخراً: يمكنك إبلاغه أنه إذا أزعجه كلامي، فإنه ببساطة يستطيع اعتقالي.

كان الأمر يشبه قول المتنبي:أنا الغريق فما خوفي من البللِ.

كثيرون يرون أن الشعر
في الداخل السوري غاب، أو تغيب، أو مغيب، ويصلون تخوم الجزم بأن الصورة
في واقع الدم الذي
نحيا
سرقت وميضه وأطفأته. إن وافقت على ما أنقل. أسال هل هي التلويحة الأخيرة للشعر؟ أم ثمة برعمة ممكنة التحقيق بعد
زوال الأنقاض؟

عقودٌ ثقيلةٌ من
الطغيان، وما ينطوي عليه من قهرٍ وإذلالٍ وبطشٍ وهدر كراماتٍ واستعبادٍ، إلى أن
نضجت الشروط لإشعال شرارة الثورة
. كيف يمكن للشعر أو غيره من أنواع الأدب أن يفرز ظاهرة مواكبة لحدث
كبير بحجم ثورة
!

مثلما لأي حدث كبير تراكماته واختماراته،
فإن للأدب تراكماته واختماراته
. أدب السجون في سوريا لم يتشكَّل كظاهرة أدبية قبل نهايات الألفية
الثانية وبدايات الألفية الثالثة، وهذا لا ينفي وجود استثناء هنا أو هناك، إبراهيم
صموئيل ونبيل سليمان وجميل حتمل مثالاً، وكذلك سيكون شأن الأدب مع الثورة أيضاً
.هناك ما ينبغي اختماره شعرياً وروائياً
وقصصياً
. أتحدث عن
المشهد الأدبي المواكب كظاهرة لا كقصائد وقصص وروايات متفرقة
.أقول ذلك مع قناعتي أن جمهور الشعر يتراجع
عالمياً، أو يغدو نخبوياً أكثر فأكثر
. في الأحداث الكبيرة التي ينخرط في صنعها ملايين البشر، يصبح الخبر
والصورة والأغنية والأفلام الوثائقية أكثر انتشاراً وتأثيراً، وربما ينتهي مفعولها
أو عمرها بصورة سريعة أيضاً، على عكس ما يمكن أن تكون عليه الأعمال الأدبية
والفنية المختمرة والناجزة
.

تذهب باتجاه أن لكل حدث تراكماته واختماراته، وان أدب السجون في سورية
لم يتشكل كظاهرة أدبية قبل بداية الألفية الثالثة
. الفضول يدفع باتجاه معرفة أسماء من شكلوا تلك الظاهرة.وهل استوفت عناصر أن
تكون ظاهرة من حيث الكم والكيف؟

منذ سنوات قلت في
إحدى مقابلاتي
سيرشحنا المستقبل كأصحاب أكبر تراث عالمي في أدب السجون، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن، قرأت العديد من الكتب والشهادات
واليوميات التي تتحدث عن سجون الأسد في سوريا
. في الواقع هناك أسماء كثيرة شاركت في تشكيل الظاهرة، بعضها مكرَّس
أدبياً وبعضها مستجد، وليس لدي إحصاء دقيق للجميع ولكن من هم في ذاكرتي الآن
:ياسين الحاج صالح، غسان جباعي، مصطفى
خليفة، رضا حداد، حسيبة عبد الرحمن، هبة دباغ، رياض معسعس، روزا حسن ياسين، طالب
كامل ابراهيم، بدر الدين شنن، هالة قضماني، سليمان أبو الخير، محمد سليم حماد،
براء السراج، آرام كربيت، أصلان عبد الكريم، عباس محمود عباس، راتب شعبو، عماد شيحة،
ميّ الحافظ، مالك داغستاني، لؤي حسين، سليم عبد القادر، حسن هويدي، وحسام الدين
خضور
. هذا
بالإضافة إلى العديد من الأفلام مثل
فوق الرمل تحت الشمسللمخرج محمد ملص، وثلاثة أفلام عن أدب السجون للمخرجة هالا محمد،
وفيلم
ابن العملعلي الأتاسي، وغيرها الكثير.

في أزمنة الاستبداد
والديكتاتوريات يلجأ أو يتحايل معظم الكتَّاب الشرفاء في سوريا، وأنا هنا اقتبس
منك، على ما ينبغي لهم قوله لغة وترميزاً ورقابة ذاتية، خشية التعرض للاعتقال
.سؤالي للشاعر بيرقدار
هل ذلك التواري وراء ظل الكلمات يسمح للسجين الأديب باستخدام كامل طاقته الإبداعية
أم انه يصيّرها أيضاً على قدّ الهامش؟

بصورة عامة، حرية
الكتابة بالنسبة للسجناء أوسع، بما لا يقاس، من حرية الكتابة لدى من هم خارج
السجن، ولكنهم مرشحون للاعتقال لدى تجاوزهم أو ملامستهم للخطوط الحمراء الكثيرة
والمتلاصقة إلى حد يصعب معه فرزها عن بعض، بمعنى أنها مساحات أو صفحات حمراء وليست
خطوطاً
. قلة هم
الكتّاب السوريون الذين اعتُقِلوا، ما يعني أنهم تجنّبوا الكثير من المواضيع
المهمة، وبالتالي لم يتمكنوا من استخدام طاقتهم الإبداعية في جميع الحقول التي
يرغبون، وكثرة هم الكتَّاب الذين صاروا كتّاباً داخل السجن، وهؤلاء كتبوا في
الغالب بصدق وأمانة وحرية، وفي المتون التي لا تعترف بالهوامش
.

تقول أن من يكتبون
بصدق وأمانة وحرية، يكتبون عادة في المتن لا في الهامش؟ هل الكتابة فعل حرية محض؟ قد
يبدو السؤال بدهياً، لكني في الحقيقة أطلب منك بشكل مبطن التفريق بين الكتابة
الزخرفية وبين الكتابة بمداد الوجع؟

الكتابة عموماً،
والكتابة الإبداعية خصوصاً على صلة وثيقة بالخيال
. وإذا كان اعتقال المرء جسدياً ممكناً، فإنه من الصعب اعتقال خياله،
إلا إذا كان المرء مستسلماً جسداً وفكراً وروحاً وإرادة
. مثلما هناك أحرارٌ سجناء، هناك أيضاً سجناءٌ أحرار.العبد الذي يرفض استعباده ليس عبداً، والحر
الذي يقبل استعباده ليس حراً
. بهذا المعنى أرى أن الحرية النابعة من داخل المرء هي المعيار الأساس،
وكل ما عدا ذلك من قوانين وحقوق فهي عوامل مساعدة أو ضامنة، ولكنها ليست المعيار
الأساس لمعنى الحرية
. في الأنظمة الاستبدادية ليس هناك حريات مضمونة أو مكفولة، وبالتالي لا
يبقى هناك من إمكانية للحرية سوى الحرية الداخلية، وأعتقد أن السجناء في هذه
الحالة، هم أكثر من غيرهم قابلية لامتلاك حريتهم الداخلية، ولا سيما عندما يتحدثون
أو يكتبون
. ضمن هذا
التصور يمكنني القول
: نعم إن الكتابة فعل حرية. ولكن ذلك لا يعني أن كل كتابة هي فعل حرية وإلا كان علينا اعتبار
مدائح الديكتاتور
(التي دبّجها الكثير من الكتّاب طوعاً أو خوفاً أو كرهاً أو تكسّباً) فعل حرية أيضاً. هناك أيضاً كتاب لديهم كتب عديدة، ومع ذلك يصعب أن يجد المرء فيها
أفكاراً أو مواقف محددة، أو لأقل إنها تهرب من الأفكار المحددة، إلى التهويمات
والصور الجمالية أو الرومانسية، التي قد تكون مبدعة فنياً ولكنها لا تبدع حرية
.

استشهدت في بداية
الحوار بقول للمتنبي وتعتبره معلمك الأول
. الآن وبعد الصحبة الطويلة مع الشعر، ما هي أقرب المناخات الشعرية
إليك؟ من تراه أقرب إليك من أولئك المعلمين؟

في الشعر، لي معلمون
كثر قدامى وحديثون ومعاصرون
. المتنبي كان واحداً من أكثر الشعراء القدامى تأثيراً في تكويني الشعري
إبّان بداياتي الشعرية، وما زال حتى الآن، في رأيي، أحد أهم شعراء العربية
.لاحقاً تعدّد المعلمون، وتعددت المدارس
والأساليب، من الشعر العمودي إلى شعر التفعيلة ثم الشعر الحر، ومن نزار قباني إلى
بدر شاكر السياب، ثم شعراء الأرض المحتلة عموماً ومحمود درويش خصوصاً، ثم الماغوط
وبعض الشعراء الأجانب عبر قراءة ترجماتهم
. أنا حصيلة كل هؤلاء وغيرهم. في السجن تحررت بدرجة كبيرة من كل أحكامٍ أو انتماءاتٍ شعريةٍ سابقةٍ
أو مسبقة
. الآن،
أشعر أن استجاباتي قادرة على تذوق الشعر أياً كان صاحبه، وبغض النظر عما إذا كان
شاعراً علماً أو شاعراً شاباً في بداية مشواره
.

اسمح لي بسؤال، هل
ثمة منجز ثقافي، على اختلاف تلويناته، أنجزه المثقفون المؤيدون للثورة؟ هل ثمة
منجز كمي كيفي؟

في رأيي أن هناك
الكثير، وإن كان لا يزال كمّاً، وهذا لا يلغي أهميته، ولكن ليس لدى الثورة إعلام
فعال ليستثمر المنجز
. وبالطبع، من صالح النظام أن يعتّم على ذلك المنجز أو يحاربه ويحارب
أصحابه
. بعض
النجاحات العالمية على صعيد الأفلام والروايات والأبحاث والجوائز الحاصلة عليها،
يشير إلى ذلك المنجز الذي لا بد أن يأخذ حقه لاحقاً
.

ما هو المشترك بين
المنافي، وان كانت اختيارية، وبين السجون؟ كيف توصّف لنا روحك في السويد؟ هل
المنافي تزيد جذوة الشعر اتقاداً؟

السجن ليس الماء الذي
اعتاد المرء السباحة فيه، والمنفى كذلك أيضاً
. أحدهما طباق الآخر ومطابِقه وجناسه التام أحياناً، والناقص أحياناً.مضى على وجودي في السويد تسع سنوات، أكثر
من ثلثها محكوم بمناخات الثورة السورية
. هو إذاً ليس منفى بالمعنى المألوف أو الاعتيادي أو المتعارف عليه.كما أنه مع التكنولوجيا المعاصرة (سكايب، واتس اب، فايبر، فيسبوك، تويتر، قنوات فضائية)خرج المنفى عن صورته النمطية.ورغم عدم قدرتي النفسية أو العملية على
تعلّم اللغة السويدية، فأنا حتى الآن أستخدم الإنكليزية في محاضراتي ونقاشاتي
ومقابلاتي، إلا أن علاقتي بسوريا وتواصلي مع كل ما يجري فيها، أعلى من أي وقت سابق
في حياتي
. هذا ليس
منفى كامل المواصفات، وإن كنت لم أستطع العودة إلى سوريا منذ قدومي إلى السويد
.مدة عدم رؤيتي لسوريا وأنا في السجن أطول
بكثير من مدة وجودي في المنفى
. لذلك لم أشعر حتى الآن بأي فرقٍ أضافه المنفى إلى روحي، أو على صعيد
تجربتي الشعرية، إلا من زاوية أن المنفى، والسفر عموماً، يتيح للمرء أن يرى أموراً
واقعية لم تكن تخطر له حتى في الخيال
. بهذا المعنى، لا بد أن تطرأ تغيّرات على القاموس اللفظي والأفكار
والمواضيع التي تطرح نفسها، وتقتضي التقاطها أو الاستجابة لها شعرياً
.هذا بالإضافة إلى أن وجودي في المنفى أتاح
لي الاطلاع على تجارب شعرية متمايزة كثيراً عن ثقافتي، وأتاح لي علاقة خاصة مع
الترجمات
. معظم
الشعر العربي بأساليبه البلاغية المعهودة، من جناسٍ وطبيعة تشابيه ولعبٍ على
الكلمات، يغدو طاووساً منتوف الريش عند ترجمته
. في السنوات الأولى لوجودي في السويد، ربما شعرت أن جذوة الشعر بدأت
تتوهّج على نحو لم أعهده من قبل، ولكن بعد الثورة، أصبحت أشعر أن المحاضرة أو
المقابلة، أو التظاهرة، أو مساعدة لاجئ سوري، أو محاولة تأمين مساعدة طبية مثلاً،
أكثر ضرورة وأهمية وتأثيراً من الشعر
. وإذا أردت أن أبقى في حقل الأدب والفن، فيمكنني القول انه في ظروف،
كظروف شعبنا بعد الثورة، أصبحت الأغنية والصورة والفيلم الوثائقي، على سبيل
المثال، أكثر أهمية من دور الشعر، النخبوي بطبيعته، في عالمنا اليوم، وربما ذلك ما
دفعني ودفع شعراء آخرين لكتابة الأغنية أو القصيدة المحكية أو القصيدة العمودية
.

على صعيد الوعي
والخبرة والتجربة، كيف توصّف لنا حال فرج بيرقدار بعد خروجه من السجن؟

كنت قد هيّأت نفسي
لسجن مدى الحياة، ولهذا كنت، وما زلت، سعيداً بأن السلطات السورية اضطرت للإفراج
عني قبل انتهاء حكمي بسنة وبضعة شهور، أي أني لم أبقَ في السجن سوى أربعة عشر
عاماً إلا قليلاً
. أما على صعيد الوعي والخبرة والتجربة، فلا أدري كيف أوصّف نفسي.أترك ذلك للآخرين، على ضوء ما أقوم به من
قول أو فعل أو كتابة
.

شاهد أيضاً

الدمار في مخيم اليرموك - AFP

نظام الأسد يقدّم الخدمة الأكبر لإسرائيل

نجح نظام الأسد في تحويل فصائل “المقاومة” الفلسطينية إلى قتلة مأجورين في سوريا تحت راية …

ناشطون يطالبون بمحاكمة المجرم - انترنت

تقرير: أدلة تثبت تورط النظام في الهجوم الكيميائي على دوما

نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها “أدلة وتحقيقات إضافية”، قالت إنها “تثبت غالباً …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fifteen − 3 =