الآن
الرئيسية / تحقيقات / اقتصاد الصحة في زمن الحرب القطاع الخاص يرفع أسعاره والمواطن يشتكي .. والداء لا يرحم

اقتصاد الصحة في زمن الحرب القطاع الخاص يرفع أسعاره والمواطن يشتكي .. والداء لا يرحم

تشتد رحلة الصعوبات المعيشية في دمشق، لتمتد إلى الواقع الصحي في المدينة، باسطة ذراعيها على من ضاقت بهم دهاليز الحياة. هنا يبحث المريض في دمشق عن حلٍ لواقعه رافعاً شعار “على قد بساطك مد رجليك” فرياح وأشرعة القطاع الصحي وعالمه، غابت عنها الكثير من المساحات الأخلاقية والإنسانية، وابتعدت عنها مقولة “التجارة من اليد التي توجِع ليست شطارة” وعليه تحاول “صدى الشام” عبر تحقيقها التالي البحث في قصص وحكايا العلاج الطبي ضمن العاصمة دمشق، باحثةً في خبايا ضعف خدمات القطاع العام، وغلاء نظيره الخاص، فأين اقتصاد الصحة من واقع الحرب ضمن إمكانيات المواطن المحدودة وسقف الأسعار غير المحدود؟
دعاء الفرج التعويض
رفع طبيبه الخاص تسعيرة عيادته ثلاثة أضعاف، بذريعة أنه سيدفعها للخباز واللحام والخياط ممن رفعوا أسعارهم.. عبّر عن سخطه، لكن “لا حياة لمن تنادي”، إنه “عبد الله ضوا”، موظف، راتبه لا يكفيه حتى منتصف الشهر لتأتي أوجاع المرض فتضيف له رصيداً جديداً من نار الحياة التي تأكل أخضره و يابسه، يحدث هذا مع زيادة فاحشة في أسعار كشفيات الأطباء وأسعار الأدوية، ويحدث مع حربٍ ضربت البلاد وأرهقت العباد. حال “عبد الله” لا يختلف عن حال “عبد القادر علي”، الذي أكد أن الزيادة الكبيرة في سعر الدواء جعلته يستغني عنه، ويلجأ إلى الله بدعاء الفرج. بالمقابل، أكدت مصدر في وزارة الصحة لدى النظام السوري، فضلت عدم ذكر اسمها، لـ “صدى الشام”، أن “القرارات المتعلقة برفع سعر المنتجات الصحية، محدودة جداً، وأن ما يجري هو خارج عن سيطرة الوزارة الغير القادرة على ضبط الأمور، وأن من يتحكم بتلك الأسعار هم “مافيات” من تجار حرب وأطباء نسوا ضميرهم، وباعوا أخلاقهم، ولا يستطيع أحد محاسبتهم”. أما أحد موزعي الأدوية، والذي فضل أيضاً عدم ذكر اسمه، فنوّه أن، “ارتفاع أسعار الأدوية ظهر بشكل أكبر في منتجات القطاع الخاص، أو المهرب، والتي ترافق جنونها مع جنون الدولار، فيما عانت بعض مشافي القطاع العام، نتيجة الأوضاع الأمنية، وزيادة حجم الإصابات، من بعض حالات الاستنفار، التي رافقها قلة الرقابة وغياب الضمير لدى البعض.
الداخل مفقود
يرى “علي خلف” دكتور في مشفى خاص، أن “القطاع الصحي الخاص يدفع للدولة عدداً من الضرائب، وعليه هناك تناقض كبير مع نظيره العام”، موضحاً أن، “إجراء عملية ضمن مشفى خاص قد تكلّف 100 ألف ليرة سورية كحدٍ أدنى، بالمقابل، لا تتجاوز تكلفتها في الحكومي 50 ألف ل.س، متضمنة معظم التكاليف”. من هنا تعتبر “هند العلي”، دكتورة في طب الأطفال، إن “العامل الأهم في علاج المريض في سورية هو دخله وقدرته على تحقيق فائض مادي يعينه في عملية العلاج، من هنا يستطيع المريض أن يفاضل بين القطاعين العام والخاص، وإن كانت المشافي الحكومية لا تستطيع أن تتطور بنفس كفاءة الخاصة من ناحية التجهيزات، لكنها قد تتفوق عليها أخلاقياً إن أرادت، لكن هذا لا يحدث إلا في حالات نادرة. وتضعف الخدمات في مشافي القطاع الخاص بشكل كبير من ناحية كفاءة الطاقم الصحي والفندقي لإقامة المريض”.
في ميزان العام والخاص
تبقى ثقة المريض في دمشق بالقطاع الصحي الخاص أكبر من ثقته بالعام، وهو ما يؤكده “محمد الشامي”، موظف، إذ يقول: “تدخل إلى المشفى الخاص متسلحاً بكرامتك، وتشعر هناك بأنك ستشفى، عكس المشافي العامة المجانية، التي تسمى هنا بالمسالخ”، مؤكداً أن “المشافي الخاصة لديها الكثير من الجراحين، إضافة لإحساسك بأنك ستلقى كامل العناية نفسياً وجسدياً”، من هنا يرى د.”علي زيدان”، أخصائي صدرية، أن “المشافي الخاصة تتمكن من الاعتناء بالنواحي الخدمية والتمريضية، لأنها لا تحوي أكتر من30 سريراً، عكس الحكومية، التي يصل عدد أسرّتها إلى 400”. بالمقابل، تفرق د.”مروة”، اختصاصية أطفال، بين الخدمات في المشافي العامة التي تعود لوزارة الصحة، ومثيلاتها العائدة لوزارة التعليم العالي. ففي الأولى نسبة الخطأ عالية، ومرد ذلك إلى أن الأطباء الاختصاصيين يشرفون على الطلاب المتدربين ضمن أوقات معينة. وفي حال غيابهم، يكلف الطلاب بإجراء عمليات بمفردهم، وهنا الطامة الكبرى. أما في الثانية، والتي تشرف عليها وزارة التعليم العالي، فيشرف الأطباء الأساتذة على كل العمليات، تلافياً لحدوث أخطاء طبية، وهنا تقل نسب الخطأ.
ضبط أخلاقي ومهني
“تحتاج العيادات الخاصة لكثير من الضوابط الأخلاقية من الطبيب، وأولها أن يضع الطبيب نفسه مكان المريض”، هذا ما قاله الدكتور “عبد السلام علوش”، طبيب أشعة، موضحاً أنه، “لا يجب أن يطلب الطبيب من مريضه مباشرةً إجراء التحاليل والصور، قبل تشخيص كامل لحالته، وإلا فإن ذلك يعد من أبواب الجهل بأخلاقيات المهنة وقواعدها، أو الاحتيال، وهنا يكمن ضمير الطبيب ومهاراته التي يمتلكها، وعليه يجب دراسة حالة المريض، حتى لا يكلفه ما لا طاقة له به”، في حين تعتبر د. “عليا العمر” أنه، “من حق الطبيب أن يحيل مريضه لأي مشفى يختارها، بما في ذلك الخاصة، لكن هناك حالات استغلال تقع حين يرسل الأطباء مرضاهم من المشافي العامة للخاصة، بحجة تسريع الدور، وإجراء العملية بمشفى باهظة التكاليف، أما في حال زيارة المريض لمشفى حكومي، فلا يجب تحويله إلى آخر خاص، إلا في  حال عدم وجود استيعاب كافٍ للمرضى ضمنها”. في حين يجمع معظم الأطباء هنا أنه لا يجب على الطبيب أن يصف لمريضه أدوية مكلفة، في حال تواجد دواء بنفس الجودة والفاعلية وأرخص بالسعر، لكن هناك بعض المرضى يفضلون الدواء المستورد، لثقتهم العالية به. لكن الحالة التي تبقى بعيدة عن الأخلاقية والتي يصفها د. “زيدان”، “حين يصبح الطبيب تاجر أدوية، فيبيع للمريض الدواء من عيادته، ويصف له أدوية مستوردة بأسعار عالية، وينطبق هذا الحال غير الأخلاقي، حينما يكون الطبيب مالكاً أو مساهماً في مركز أشعة، فيبدأ بطلب الصور الشعاعية بوضعيات عدة، لإفادة مركزه والحصول على مردود مادي”.
تراجع لا تخفيه الشمس
تنفق سورية على الرعاية الصحية 3.6% من ناتجها المحلي الإجمالي، حسب أرقام البنك الدولي، بينما تنفق الأردن بحدود 9%. ويتبين في المؤشر العام أن الدول التي تنفق على الصحة بنسبة تقلّ عن 4% من ناتجها المحلي الإجمالي، من الدول الموجودة ضمن مؤشر البنك، لا يتجاوز عددها 26 دولة عالمياً، وذلك مقارنة بنحو 210 دولة شملتها دراسة البنك الدولي في العالم، وعليه فإن ترتيب “سورية” لا يتعدى أحسن الأحوال، المرتبة 190 عالمياً، من حيث الإنفاق على الصحة والرعاية الصحية، وتسبقها في ذلك الكثير من الدول الإفريقية والعربية، وغالبية الدول الأسيوية. أما تقرير “اللجنة الاقتصادية الاجتماعية لغرب آسيا” التابعة للأمم المتحدة (إسكوا)، فقد أشار إلى أنه “في عام 2015، يُتوقع حدوث ارتفاع في معدل وفيات الأطفال دون الخامسة إلى 28.8 طفل لكل ألف نسمة، وأن يصل معدل وفيات الأطفال الرضع دون عمر السنة إلى 28.7 حالة لكل ألف طفل، مقابل 23.3 عام 2013” بالمقابل توقع التقرير “انخفاض نسبة الأطفال المحصنين ضد الحصبة إلى 40%، وأن يرتفع معدل وفيات الأمهات إلى 73.4 حالة وفاة لكل ألف ولادة”.

شاهد أيضاً

الدمار في مخيم اليرموك - AFP

نظام الأسد يقدّم الخدمة الأكبر لإسرائيل

نجح نظام الأسد في تحويل فصائل “المقاومة” الفلسطينية إلى قتلة مأجورين في سوريا تحت راية …

ناشطون يطالبون بمحاكمة المجرم - انترنت

تقرير: أدلة تثبت تورط النظام في الهجوم الكيميائي على دوما

نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها “أدلة وتحقيقات إضافية”، قالت إنها “تثبت غالباً …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 5 =