الآن
الرئيسية / رأي / اضربوهم بالأحذية

اضربوهم بالأحذية

ثائر الزعزوع 

وردتني عبر البريد
الإلكتروني رسالة من صديق تونسي قديم يرثي فيها ما وصلت إليه الحال في سوريا، كانت
حروفه تبكي حزناً على بلد أمضى فيه سنوات دراسته الجامعية، واستبشر خيراً بالثّورة،
وكان من أوائل المشاركين في ثورة الياسمين منذ انطلاقتها، صديقي الذي لم أره منذ
سنوات ختم رسالته متحدثاً عن فشل معارضتنا في وضع حد لمعاناة شعبنا، ويبدو أنه لم
يتمالك نفسه فكتب: يا أخي اضربوهم بالأحذية.

لكن، حقاً، هل فشلت
المعارضة السورية في وضع حد لمعاناتنا؟ وهل هي تمتلك القدرة أصلاً على الحل والربط؟
ثم ما هي المعارضة، ومن يمثّلها؟ هل هو المجلس أم الائتلاف؟ هل هيئة التنسيق أم
تيار بناء الدولة؟ من هي المعارضة السورية، وما الذي فعلته على مدى نصف قرن من
الزمان؟ ومن هي الشخصيات السياسية البارزة في “معارضتنا” أقول السياسية،
ولا أقصد أولئك الذين ظهروا فجأة كنبات شيطاني ليلتقطوا الصور التذكارية في
الاجتماعات مع المسؤولين العرب والغربيين.

حقاً، من هي؟

كتبت منذ سنوات أن وجود
“نظام” يستوجب بالضرورة وجود معارضة، وكنت قد عنونت مقالي “المعارضة
سر وجود النظام”، ونحن وكما يعلم القاصي والداني لم نكن نعيش في بلد يحكمه
نظام، بل كنا في مزرعة تديرها عصابة، ولعل استخدامنا حالياً مفردة
“النظام” فيه نوع من إعلاء شأن تلك العصابة، لأن النظام يعني بالضرورة
تراتبية في الحكم، وشكلاً من أشكال الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، وقد
قال عدد من المعلقين في بداية الثورة السورية إن السوريين خرجوا في ثورة لتصبح
سوريا مثل مصر إبان حكم مبارك، لا لأن نظام مبارك كان نظاماً سياسياً مقبولاً، لكن
لأن الوضع في سوريا كان كارثياً على المستويات كافة، ولأن مصر كانت تمتلك على
الأقل قاعدة معارضة وشخصيات سياسية وصحافة مشاكسة سواء اتفقنا معها أم اختلفنا؟
إلا أن سوريا كانت مفرغة تماماً من أي شكل من أشكال المعارضة، وقد فجرت الثورة
طاقات ظلت حبيسة على مدى عقود من الزمن، لكن ذلك الانفجار كان أشبه بالبركان الذي
اختلط في حممه الحابل بالنابل، فلم نعد نعرف ما هي التسمية التي يجب علينا إطلاقها
على عشرات بل مئات “المعارضين” من المنشقين عن صفوف النظام، أو
الناشطين، أو الكتاب الصحفيين، أو التجار، أو لاعبي القمار، ومنذ اليوم الأول الذي
بدأت فيه ملامح تكتلات المعارضة بالظهور بدأت الشتائم تطالها، فالطرح الذي قدمه
أولئك المعارضون خلال اجتماعاتهم التي استضافتها مدن هنا، ومدن هناك لم يتناسب
أبداً مع حجم الكارثة الذي كانت تتعرض لها سوريا، فتنظيرهم السياسي كله ظل حبراً
على ورق، ظهرت وجوه، واختفت وجوه، مبادرات ونقاشات وتوصيات، وسرقات، وهون حطنا
الجمال، كما نقول بالعامية، فاحت روائح الفساد من كل جنبات المعارضة، فلم تسلم
شخصية من الشخصيات البارزة تقريباً من سبة الفساد والارتزاق على حساب دماء أهلنا،
وعلى حساب مستقبل سوريا، لم تخل فاتورة صادرة عن مكاتب المعارضة من هامش ربحي
كبير، وقال الناس: يتاجرون بدمنا، وأسقطهم الناس جميعاً دون استثناء، لم يبقوا
منهم أحداً، ولم تعد اجتماعات المعارضة تشكل أي فارق حقيقي، بل صارت مثاراً
للسخرية، صحيح أن ثمة بعض الشرفاء في هذه التركيبة العجائبية إلا أن أصواتهم لا
تكاد تظهر، بل إنهم بلا أصوات تقريباً، فهم موجودون لإكمال الصورة فقط، ابتسموا
“منشان تزبط الصورة” بالإذن من الراحل يوسف شاهين.

راهنت عصابة “آل
الأسد” على أن الثورة ستتأسلم، فسعى المعارضون لأسلمتها، بل إن معارضين
يساريين هللوا للكتائب الإسلامية، وصفقوا لها، لا لشيء إلا لأنهم لا يجيدون قراءة
الواقع السياسي، رغم ادّعائهم على مدى سنوات بأنهم الأكثر قدرة على القراءة
والتحليل والتفسير، ومهدوا بتهورهم كيلا نقول بغبائهم لتحول الثورة إلى “دكان
خردة” تتجمع فيه حثالات العالم ومشاريعها، وفتحوا أبواب سوريا لكل وافد، دافعوا
عن “المجاهدين” في المحافل الدولية، ثم تبرؤوا منهم، قدّموا مبادرات
خلبية ثم تبرؤوا منها، وقفوا، جلسوا، اجتمعوا، وأصدروا بيانات تدين قتلنا اليومي،
ودمار سوريتنا، هم هكذا مجموعة من الفاشلين الذين حبستهم عصابة الأسد في قمقمها
أربعة عقود ونيف ثم خرجوا ليحولوا الثورة إلى حقل تجارب، جربوا فيها كل ما قرؤوه
من علم السياسة والتنجيم، لكنهم أبداً لم يتخلوا عن رغبتهم في الاستفادة، فهم
يريدون اغتنام الفرصة والظهور والتبجح على حساب دمائنا التي نزفت منذ يوم الثامن
عشر من آذار مارس عام 2011 وما زالت تنزف حتى يومنا هذا، مؤخراً أصدر الائتلاف
بياناً دان فيه مجزرة النظام بحق أهل الرقة، بيان يشبه كثيراً بيانات “حزب
البعث العربي” حين كان يدين، ويشجب، ويستنكر، فهل تحملتم عناء الانشقاق
وعرضتم أنفسكم للخطر، وركبتم موجة الثورة كي تصدروا بيانات؟

ما هي الحلول التي تفكرون
بها اليوم، غداً، بعد غد؟

ما هي المبادرات التي
تقترحونها؟

هل ستقررون العودة إلى حضن
الوطن، أم ستقررون التحالف مع “داعش” لإسقاط العصابة؟

بماذا تفكرون؟

وللتذكير فقط فنحن لم ننس
مجزرة اللقاح، ولن ننساها أبداً. ولن ننسى أيضاً الملايين التي صرفت هنا وهناك على
حساب دمائنا.

حكايتنا السورية مجبولة
بالفشل، فلنعترف جميعاً قبل أن يفوت أوان الاعتراف، لكن ثورتنا مستمرة.

 

شاهد أيضاً

غاز شرق المتوسط: أصل الحكاية

تزامن موضوع تحريك التنقيب عن آبار الطاقة واستخراجها في شرق المتوسط قبل عقد تقريباً مع …

توحش النظم ورأسمالييها

حين حدثت الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا سنة 1997، ارتبك صندوق النقد الدولي، لأن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fifteen − nine =