الآن
الرئيسية / تحقيقات / نظام حلب الصحي يترنّح…والمرضى يستغيثون

نظام حلب الصحي يترنّح…والمرضى يستغيثون

نسرين أنابلي

لم يكن ينقص الأزمة في حلب سوى الوضع الصحي
المتردّي، الذي بدأ يقترب من الهاوية، بفعل تدمير المستشفيات وهجرة الأطباء وغياب
أدوية عدّة،وذلك بحسب آخر تقارير منظمة الصحة العالمية.

فالمدينة التي كانت تزخر بالمشافي العامة والخاصة لم
يتبقَّ في رصيدها حالياً سوى مشفيين حكوميين من أصل ستة،وتسعةخاصة من أصل 54 مشفى،
بالإضافة إلى انخفاض الكوادر الطبية إلى نسبة 30% فقط من العدد الكلي.

المرض بانتظار الناجين من القصف

عابد (47سنة)، أحد المواطنين الذين جهدوا في إنقاذ
أرواحهم من القصف والقنص،ليلاقي شبح الموت، ولكن على شكل سرطان في الغدة،شُخِّص في
شباط الماضي.

وحال عابد هي ذاتها حال الكثير من المواطنين بعد
أكثر من عامين على بدء الأزمة في حلب.فعدا عن تهجير الآلاف من منازلهم بين نازح في
الداخل ولاجئ في الخارج وتدمير البنى التحتية والأسواق الأثرية،يتدهور وضع النظام
الصحي في المحافظة بشكل كارثي.

يتحدّث عابد عن معاناته مع السرطان ورحلة البحث الميئوس
منها عن العلاج قائلاً: “منذ أن شُخّصمرضي عرفت أن نهايتي ستكون قريبة،ولاسيما
في ظل هذه الأوضاع السيئة التي نعيش بها.مكثت في مشفى الجامعة شهرين دون أن أحظى
بأي علاج سوى مسكنات الألم التي بالكاد أحصل عليها بسبب ندرتها حالياً.وبعد ذلك
أخرجت من المشفى لعدم توافر الأدوية والأماكن أيضاً”.

وبسخرية حزينة يضيف عابد: “أذكر الآن كيف قال
لي أحد الأطباء، إن وجودك بالمشفى لن يفيدك، وليس لدينا ما نقدّمه لك”.

عاصمة الأدوية السورية حلب، كما كان يسميها
البعض،انخفض إنتاجها إلى الثلث بعد أن كانت تنتج نحو 90% من حاجة البلاد للأدوية،
بحسب ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا اليزابيث هوف، وذلك نتيجة التدمير الذي
تعرضت له مصانع الأدوية بسبب الأعمال العسكرية الدائرة في المدينة.

يستطيع عابد وأمثاله أن يجدوا ضالتهم من الأدوية في
السوق السوداء حيث يتم تهريب الأدوية من لبنان إلى سوريا، لكن ارتفاع ثمنها مقارنة
مع انخفاض دخل المواطن يجعل الحصول على علبة دواء أمراً شبه مستحيل.

وإذا كان غياب الدواء يسبّب مشكلة حقيقية للمواطنين،
فإن المستشفيات أصبحت في حال مزرية. فعدا عن شح الأدويةهناك شحٌّ في عدد الأسرّة
والأماكن أيضاً،ليس بسبب كثرة المرضى،بل بسبب كثرة نزلاء المشافي من غير المرضى، أي
من النازحين الذين فقدوا بيوتهم. يقول الدكتور( ح أ ) عن ذلك:”المشافي
الحكومية تعج بالنازحين، حتى أنهم يشغلون الأسرّة المخصصة للمرضى. فمشافي الرازي
والجامعة والقلب تعج بالنازحين الهاربين من القصف، حيث أصبح الطابق الثاني والرابع
والسادس ونصف السابع في مشفى الجامعة مقراًللنازحين فقط، وهذا ينعكس سلباً على
المرضى الذين نضطر لتخريجهم لعدم توافر مكان لهم، الوضع حرج جداً وليس هناك من
حلول على المدى القريب”.

ويستقبل مشفى الجامعة المرضى على مدى ست ساعات في
اليوم فقط، بحسب أحد الأطباء المقيمين فيه، وذلك لإفساح المجال أمام مرضى
آخرين.وفي مشفى الرازي ينام كل طفلين على سرير واحد،والبعض الآخر لا يستطيع الدخول
للمشفى نهائياً، أما فكرة اللجوء للمشافي الخاصة فهي شبه مستحيلة بسبب تضاعف تكلفة
العلاج إلى أكثر من ثلاثة أضعاف عما كانت عليه في السابق،وذلك حسب معلومات أوردها
طبيب يعمل في إحداها.

مشافي بلا كهربا ولا ماء ولا أطباء

تروي ميساء كيف
أنجبت ابنتها في مشفى التوليد بحلب بدون كهرباء ولا ماء، وتقول:”دخلت للمشفى
أنا وزوجي، وكانت الكهرباء مقطوعة، أدخلوني غرفة المخاض على ضوء شواحن الكهرباء، وبعد
جدل طويل بين زوجي وبين الطاقم الطبي الموجود قاموا بتشغيل المولدة وإضاءة غرفة
الولادة فقط، كي لا يستهلكوا البنزين”!

وتضيف ميساء
بابتسامة يخنقها الألم: “المفارقة المضحكة أنهم وبعد انتهاء الولادة، قالت
الممرضة لزوجي:ألم تحضر معك غالون ماء لكي تستحم الطفلة”؟!

نعم. يحدث هذا في
حلب حالياً وستكون الأيام المقبلة أكثر سوءاً، على ما يبدو، بحسب توقعات إحدى
ممرضات مشفى الرازي التي تقول: إن “انقطاع المياه يشكل كارثة كبيرة في المشفى،
أكثر من انقطاع الكهرباء، لأن مستوى النظافة في المشفى انخفض كثيراً، فغرف المرضى
دائماً متسخة ودورات المياه أيضاً،وهذا كله من شأنه أن يزيد من انتشار الأمراض
والأوبئة”.

ويهدد انقطاع
الكهرباء المستمر حياة الأطفال حديثي الولادة بالموت.فقد سُجلت أكثر من حالة وفاة
لأطفال في الحاضنات بمشفى التوليد بسبب انقطاع الكهرباء، بينما يتم إلغاء العديد
من العمليات الجراحية أيضاً للسبب ذاته،الأمر الذي يودي بحياة المرضى.وهذا ما حدث
مع أبو هادي الذي توفيت ابنته بسبب انفجار الزائدة الدودية لعدمإجراء العملية لها
في الوقت المناسب.

يقول أبو هادي:”أدخلت
ابنتي إلى مشفى الرازي في حالة إسعافية بسبب آلام شديدة تعانيها، وبعد فحصها تم
تشخيص الحالة بالتهاب حاد في الزائدة الدودية يستوجب العملية، إلا أن العملية لم
تُجرَ لأن قسم الجراحة بالمشفى لا يعمل حالياً، ويقتصر على إجراء القثطرات فقط، فطلبوا
مني نقلها لمشفى الجامعة، وقمت بذلك بأسرع ما يمكن، لكنهم هناك تأخروابإجراء
العملية بسبب انقطاع الكهرباء، الأمر الذي أدى الى وفاة ابنتي”.

هذه الأوضاع
المزرية، وماسبقها من مضايقات وانتهاكات بحق الأطباء، دفعت الغالبية منهم للسفر أو
الهرب من المدينة.فحسب إحصاءات صادرة عن منظمة الصحة العالمية،لم يتبقَّ في حلب
حالياً سوى 280 طبيباً من أصل ستة آلاف كانوا موجودين قبل الثورة.كما تعرض65% من
سيارات الإسعاف في المدينة للضرر أو
التدمير أو السرقة، وقتل العديد من المنقذين والمسعفين أو سجنوا أو هربوا للخارج.

يقول الطبيب محمد
سواح: “كنت أعمل طبيب جراحة عامة في مشفى حلب الجامعي ومشفى الكندي، وقد
تعرضنا لمضايقات كثيرة من عناصر الأمن، كانت تصل إلى حد التهديد بقوة السلاح بسبب
معالجة المصابين في المظاهرات، وعندما بدأت الأمور تزداد سوءاً سافرت الى بيروت
حفاظاً على سلامتي”.

وقد استطاع مركز
توثيق الانتهاكات في سوريا توثيق اعتقال ما لا يقل عن (83) طبيباً، أو ممن يعملون
في المجال الطبي في حلب، وما زالت الغالبية الساحقة منهم قيد الاعتقال التعسفي،
ومنهم من أصبح في عداد المفقودين، بالإضافة لمنع الكثير منهم من مزاولة المهنة بعد
خروجهم من الاعتقال.

وفي هذا السياق يقول
الدكتور عثمان حاج عثمان: “تم اعتقالي مرتين على يد قوات النظام منذ بداية
الأحداث في حلب،وبعد اطلاق سراحي فُصلت من العمل بمشفى ابن رشد بقرار أمني بحت،
حيث أخبرني المدير الإداري للمشفى أنّ جهاز المخابرات الجوّية أرسل له كتاباً
أبلغوه فيه بفصلي”.

يواجه الحلبيون
الموت في كل لحظة من حياتهم،بالقصف وبالتجويع وبالأمراض،ومازال التضييق العسكري والمعيشي
ينخر في جسد “الشهباء” التي لطالما اختار سكانها أن يعيشوا وفقاً للمبدأ
القائل:” إن غريزة البقاء على قيد الحياة أقوى من أي شي”.

شاهد أيضاً

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

الطفل حسن دياب - انترنت

مجزرة الكيماوي: روسيا تكذب في لاهاي وتحتجز “الشهود” في دمشق

وفق ما جرت العادة في أروقة المجتمع الدولي خفت الصوت المنادي بعقاب المجرم بشار الأسد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

six + 1 =