الآن
الرئيسية / رأي / من قتل سوريا؟ (2-2)

من قتل سوريا؟ (2-2)

ثائر الزعزوع 
سواء اتفقنا أم اختلفنا، فإن النظام يعيش هذه الأيام واحدة من أفضل حالاته، بعد أن خرج بشكل مؤقت من معادلة الإسقاط التي كانت ترافقه طيلة ثلاث سنوات ونيّف، فلم يعد الحديث عن ضرورة إسقاطه مغرياً، بل أصبح يثير الضحك في حال قاله أحد أعضاء الائتلاف أو الحكومة المؤقتة، أو حتى أقطاب المعارضة.
 فالنظام كما تبيّن بالبرهان لن يسقط باللقاءات التلفزيونية ولا بالمؤتمرات الصحفية، وهو بحاجة لعمل دؤوب متواصل، ولتضافر الجهود على المستويات كافة، إذ لا يكفي أن يتم التصعيد عسكرياً، في حين أن السياسيين مشغولون بأحاديث جانبية، وربما باقتسام الكعكة، واعذروني لهذا التعبير، الظاهر أنّ رهان الشارع السوري على معارضة وطنية مخلصة فشل أيّما فشل، وهو لا يقل عن الفشل الذي سببه النظام، وكلاهما أوصلا البلاد إلى هذه الحافة المخيفة، من خلال التعنُّت وعدم القدرة إلى الوصول إلى نقطة التقاء تُجنِّبُ البلاد انهيارها الذي لا يمكننا القول إنه بات وشيكاً، بل إنه أمر واقع، فالبلاد منهارة كلياً، وتحوّلت إلى مرتع خصب لكل من هبَّ ودبَّ من حملة السلاح الذين يدخلون عبر الجهتين جهة النظام، وجهة المعارضة، الأول تحت ذريعة المقاومة وحماية المراقد الدينية، والثاني تحت ذريعة الجهاد في سبيل الله، وكلاهما ليسا من السوريين، وقد أشبعا العالم كله شعارات وخطابات عن حرصهم على سوريا وأهلها، وخشيتهم من تمزيقها وتقسيمها.
 الحقيقة أنهم سعوا بكلِّ قوة للوصول إلى هذه النقطة تحديداً، وتحويل سوريا إلى ولايات ومستعمرات، وقد وقعت المعارضة في فخ لهاثها لإسقاط النظام فأيدت بطريقة كوميدية تلك الكتائب المقاتلة، بل إن الرئيس السابق للائتلاف الوطني الشيخ معاذ الخطيب لم يُخفِ غضبَه من القرار الأميركي بإدراج جبهة النصرة على قائمة الإرهاب، وطالب واشنطن بالعدول عن قرارها، وقد عبر اثنان أو أكثر ممّن يمثلون القوى الليبرالية داخل الائتلاف والمجلس الوطني عن دعمهما الكامل لجبهة النصرة، بل بادر أحدهم لالتقاط صور تذكارية مع بعض مقاتلي الجبهة أثناء زيارة خاطفة قام بها إلى إحدى المناطق التي تسيطر عليها، ولو أمهلتم “داعش” قليلاً لأثنوا على جهودها وسعيها لإسقاط النظام، على مبدأ “التحالف مع الشيطان الأصغر” لإسقاط الشيطان الأكبر، ولكن تصرفات داعش لم تترك مجالاً لأحد لدعمها أو للدفاع عنها.
 وقد استثمر النظام التّصريحات والمواقف ليشيطن المعارضة، ويحوّلها إلى متآمرة على علمانية الدولة وأداة لتمزيق النسيج الاجتماعي والثقافي والإنساني… إلى آخره. 
حدث كلُّ هذا بينما المعارك لم تتوقف لحظة، هنا تقدم، وهنالك اندحار، هنا تحرير، وهنالك تطهير، واستمرت سوريا تدفع الثمن من جغرافيتها، وتاريخها، ومن دماء أبنائها، حتى لم يتبقَّ من سوريا شيء، سوى كوكب غريب يسكنه النظام، كوكب مختلف تماماً عن سوريا التي تقول التقارير الدولية إنها واحدة من أخطر الأماكن في العالم، وإن نصف أطفالها لا يذهبون إلى المدارس، وإن نصف مستشفياتها خرجت عن نطاق الخدمة، تلك الـ… سوريا التي يتحدث عنها النظام عبر وسائل إعلامه ما زالت تتمتع بالكثير الكثير من التفاصيل الخاصة، وكأنها لم تتأثر بما يحدث من حولها، تماماً مثلما حماها الله في وقت من الأوقات من أنفلونزا الطيور ومن أنفلونزا الخنازير، بل حتى من فيروس نقص المناعة المكتسبة، والتي استمر إعلامها يتحدث عنها وكأنها جنة الله على الأرض، فهي الوحيدة التي تعشق قائدها الرمز، وهي الوحيدة التي يخرج معتقل سياسي أمضى عشرين عاماً من عمره تحت الأرض ليهتف عبر شاشة فضائيتها بحياة قائد  الوطن الذي سجنه وعذّبه وحرمه حياته.
 أما سوريا الأخرى، سوريا الذبيحة من الوريد إلى الوريد فهي عالم مختلف تماماً، حيث لا حياة، دمار لم يعرف التاريخ الحديث له مثيلاً، جياع وثكالى، أيتام لا عد ولا حصر لهم، وهنا لا تلفزيونات تنقل الصورة كاملة، ولا فضائيات تجري لقاءات مع الموتى، وهنا يطل معارض أنيق جالس في مدينة أوروبية أو خليجية أو أي مكان آخر إلا هذه السوريا ليتحدث بإسهاب عن معاناة لم يختبرها، وعن ألم لم يشعر به، وعن موت لم يمته، بينما داعش باقية وتتمدد، داعش لا تزحف زحفاً لكننها تقفز قفزاً، تقفز فوق احتمالات المكان والزمان، فوق احتمالات المنطق، يساعدها غباء منقطع النظير من وسائل إعلام نذرت نفسها للثورة ثم خانتها، ولكتبة مرتزقة يخشون انقطاع سبل عيشهم إن فقؤوا عين أحد بالحقيقة، وقالوا بكل ما أوتوا من قوة: يا هؤلاء أنتم قتلتمونا، يا هؤلاء أنتم أدخلتمونا في هذه المتاهة الدموية القاتلة، أنتم قتلتم سوريانا.
 لم يقلها أحد ولا أعتقد أن أحداً سيقولها طالما أنه يضع عينيه على مكسب سيحققه له قربه من هذه الجهة أو تلك، ولا ضير من تبديل الولاءات بين الحين والآخر، وفقاً للمزاج الدولي العام، كيلا يخرج من اللعبة خالي الوفاض، ويجد نفسه وقد انحسرت عنه الأضواء، وساعتها ستضيع الثورة، ولن يبقى منها شيء، لأنه يعدُّ نفسه الحامل الفكري لها، والعبقري الذي ألهمها، تماماً كما يعتبر بشار الأسد نفسه مؤسس الدولة السورية، وكما يعتبر البغدادي نفسه خليفة للمسلمين في دولته الإسلامية التي أعلنها، وبايعه أتباعه خليفة عليها وعلينا، وعلى أكثر من مليار مسلم في العالم، هم أولئك الذين دعاهم البغدادي للهجرة إلى سوريا التي قال حرفياً إنها ليست للسوريين.
سوريا قتيلة ذبيحة، ممزقة، لا مغيث لها، سوى ما تبقى من أبنائها أولئك المؤمنين حقاً بها، بما تمثله وما تعنيه، لا من حيث جغرافيتها وتاريخها، بل من حيث إنسانها.  

شاهد أيضاً

جلال بكور

كيف ستواجه السعودية عواقب “خاشقجي”؟

اللغز المحير الذي ما يزال يرافق قضية اختفاء الصحفي السعودي “جمال خاشقجي”، وما يجري الحديث …

جلال بكور

لماذا أبقت أمريكا على النظام

يقول المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا “جيمس جيفري” إن بشار الأسد يحكم دولة بمثابة “جثة” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three + 4 =