الآن
الرئيسية / رأي / من قتل سوريا؟ (1-2)

من قتل سوريا؟ (1-2)

ثائر الزعزوع

هل تنبأ أحدٌأن تستطيعَ المعارضة السورية والقوى الثورية العاملة على
الأرض القضاء على نظام الأسد المتماسك والعميق الجذور، والمدعوم بقوى إقليمية
وعالمية؟

الإجابة هي، نعم، الكثيرون تنبؤوا وتوقّعوا، ووضعوا
تحليلاتٍ وخططاً، ورسموا تصورات مستقبلية باءت كلها بالفشل، بل لقد اختفى من على
الساحة الكثيرون ممّن كانوا ناشطين جداً في العام الأوّلَين من عمر الحراك الثوري،
وانزووا بفعل فشلهم في التوقُّع أو بفعل خيبة أملهم، وفضّل بعضهم الهجرة بعيداً
والاكتفاء بتعليقات بين الحين والآخر يتنصلون فيها شيئاً فشيئاً من إصرارهم منقطع
النظير الذي كانوا يملكونه سابقاً، بل إن بعض المحاورين والمذيعين في القنوات
التلفزيونية العربية لم يعودوا يجاملون ضيوفهم كما جرت العادة، وباتوا يستخدمون
معهم لغة أقرب إلى التكذيب، كأن يقول المحاور لضيفه، ولكنكم تقولون هذا الكلام
دائماً، وصحيح أن المحاور لا يكمل جملته لكننا نستطيع معرفة الجزء الثاني منها
والذي يقول بالضرورة ثم يتبين لنا بأنكم تبالغون أو أنكم تكذبون حتى، وقد سوقت
فضائيات ثورية بعينها، عندما كانت الفضائيات الثورية نشيطة وفعالة، وإن على مستوى
ضيق، لعبارة “ساعة الصفر” التي تحوّلت من الأيام إلى مثار سخرية، ودعوني
لا ألوم قناة سوريا الشعب، التي أطلق مالكوها عليها مؤخراً رصاصة الرحمة، ولا ألوم
أيضاً قناة الأورينت التي ذهبت بعيداً في التحشيد، ثم انزوت قليلاً في الظل، وبدأت
تبحث عن الترفيه في زحمة الأخبار الدموية، التي لم يتغير فيها شيء، ولعلي أعرج
بشيء من الحسرة على قناة سوريا الغد التي باتت تغرّد وحيدة، ولا أقصد هنا التفرد،
ولكن الوحدة فلا مشاهدين ولا معلقين، بل إن ضيوفها أنفسهم لا يتغيّرون، ولا يتبدّلون.

ولا أدري إن
كانت القناة التي تبشّر السوريين بغد أحلى ستحذو قريباً حذو زميلتها سوريا الشعب،
وتعلن نهاية رحلتها، المهم أن هذا الإعلام هو كذلك كان سباقاً للتنبُّؤ بالنصر
القريب، وبالعودة باكراً إلى دمشق، بل قد يكون مالكو هذه القنوات شأنهم شأن
العاملين في الحقل السياسي قد وعدوا أنفسهم بجزء من “الكعكة” بعد سقوط
النظام، وربما وضع أحدهم عينه على وزارة الإعلام، ولمَ لا؟ فهم وفق رؤيتهم صنعوا
إعلام الثورة، كما يردد بعض الناشطين ليلاً نهاراً بأنهم هم من صنعوا الثورة، وهم
من أطلقوا شرارتها الأولى، ولعل هذا ما أوصل الثورة إلى حافة الانهيار التي تهدّد
بتحوّلها إلى نقمة بدلاً من أن تكون نعمة، خاصة ونحن نرى البلد مهدداً بالتمزيق،
وقد غزته كتائب الجهاديين والمدافعين عن المراقد، وحاملي ألوية الحق، وما إلى
هنالك من المسميات، بل لعل فكرة التمزيق والتقسيم باتت مقبولة في ضوء ما نشهده من
ضياع للهوية السورية التي تشتت في بقاع الأرض وباتت نهباً، وبدأ السوريون حقاً في
تعلم لغات أخرى، وفي البحث عن جنسيات جديدة، هذا إن لم يكن الكثيرون منهم قد حصلوا
عليها فعلاً، فما الذي تبقى من سوريا؟ ومن المسؤول عن هذه الحالة الكارثية التي
وصلت إليها الأمور؟ ودعوني آخذِ الأمرَ من وجهتي نظر، فالنظام يحمل الذين خرجوا
ضده المسؤولية، ويتهمهم بالعمالة والانصياع لأوامر الغرب الاستعماري، وتنفيذ
أجندات حكام الخليج الذين لا يريدون أن تكون سوريا منارة للشعوب.

وأما الجانب
الآخر فهو يرى الأمور على الشكل التالي، فالنظام النصيري المرتهن للقرار الإيراني
الفارسي المجوسي، والذي يريد تحويل سوريا إلى محافظة إيرانية ويفقدها بعدها
العروبي الإسلامي السني، تحديداً، هو من أوصل الأمور إلى هذه النقطة التي لا عودة
عنها، وعلى كلا الطرفين تجد محللين ومفكرين وإعلاميين وعلماء فلك وعلماء فضاء يشخّصون
وينظّرون، ويربطون المعطيات لإثبات نظريتهم، والتي يتلقاها جمهورهم بالدهشة
دائماً، فهل هذا معقول؟ وعلى كل طرف تقف وسائل إعلام تدعم وتبث الأناشيد والأغاني
الحماسية التي تستجلب مزيداً من الجمهور إلى طرفها، علماً أن جمهور الطرفين هم من
السوريين الذين عاشوا معاً عقوداً طويلة وفق الصيغ المعتادة، وقد انفصم عراهم في
الخامس عشر من آذار، وتحوّلوا إلى خصوم بعد أن كانوا شركاء يتزاوجون من بعضهم
البعض، ويحكمون بعضهم البعض، فنهض المضطهدون بكل ما أوتوا من قوة ليثأروا من
مضطهديهم، وبدأت تظهر الأحقاد، علماً أن الأحقاد لا تصنع ثورات، ولا تساهم بإنشاء
أي مشروع وطني، مهما كان صغيراً، ولقيت تلك الأحقاد من يغذّيها بشكل هستيري، حتى
تحوّل أيُّ نقاش مهما كان صغيراً بين سوريين اثنين كانا يعملان حتى وقت قريب في
المؤسسة نفسها إلى صراع ديكة وحوار طرشان، وحلقة من حلقات الاتجاه المعاكس،
اتهامات بالجملة، وتخوين، وعمالة، وهلم جراً، حتى لم يبق لأحد أحداً يتحاور معه،
وفقدنا على المدى القريب أية فرصة لتقريب وجهات النظر أو لإقناعنا
“أعدائنا” في الوطن بوجهة نظرنا، أو بحقنا في أن نقرر مصير بلدنا، وألا
يأتي معلباً في أوامر حزبية مخابراتية، بل لقد انفرط عقدنا الاجتماعي بسبب عمليات
التهجير المُنظّم والممنهج، وبتنا نبكي على هوية سوريا، وكان الإعلام يلعب دور
القاتل المحترف على كلا الطرفين، فما الوسيلة الإعلامية التي حاولت أن تقرأ الحالة
السورية بتفصيل دون أن تكون منساقة؟

وما الوسيلة الإعلامية التي حرصت على بقاء سوريا؟
الحقيقة لا يوجد، فالجميع ساهموا في الذبح، وأعدُّوا المقصلة، الجميع بأصواتهم
المبحوحة، وانفعالاتهم، التي كانوا يتقاضون ثمنها مبلغاً مادياً معيناً، كيلا يحسب
أحد أن الظهور التلفزيوني هو مجاني وخدمة للوطن، بل إن ضيفاً لإحدى الفضائيات
“المعارضة” رفض الظهور في أحد البرامج لأن المبلغ قليل، ولا يتناسب مع
المعلومات القيمة التي كان سيدلي بها، والتي قدمها عن طيب خاطر لفضائية عربية
مشهورة، لأنها تدفع في برامجها مئة وخمسين دولاراً، قلتم لي: قضية، أليس كذلك؟ وللحديث بقية.

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × 5 =