الآن
الرئيسية / رأي / لا تشاهدوا التلفزيون

لا تشاهدوا التلفزيون

ثائر الزعزوع

قد أكون مخطئاً، قد لا أكون على حق أبداً، قد يكون ما
سأقوله مجر
ّد ردِّ فعل نتيجة الأهوال التي عرضها التلفزيون خلال
سنوات وسنوات، والجرائم الكبرى التي ارتكبتها هذه الشاشة في عقولنا وبيوتنا،
والمشكلات التي لا حصر لها التي كان السبب وراءها، قاطعوه، اجلسوا صامتين عودوا
إلى أحاديث الجدات، اعملوا أي شيء، ولكن لا تمسكوا جهاز التحكم، ولا تشعلوا هذا
الجهاز الكفيل إشعال الحرائق، عودوا للعب الطرنيب، والتركس، والشطرنج، والبرسيس.

لن أقول لكم
عودوا للقراءة لأننا شعوب لا تقرأ أصلاً، لكن جرّبوا، لن تخسروا شيئاً، عيشوا حياة
السوريين في بعض المناطق، أولئك الذين نَسَوا كيف يكون شكل التلفزيون؟ لأن
الكهرباء حين تجيء لا تكفي لفعل شيء سوى لانتظار انقطاعها مرة أخرى، وهو وقت ليس
كافياً لمتابعة برنامج سخيف أو وجهة نظر تافهة يعرضها سياسي متكرش أو محلل متفلسف
ينتظر أن يقبض في نهاية الحلقة مكافأته.

قد أكون مخطئاً، لكن هل جربتم أن تستيقظوا في الصباح
وتقرروا أن تتوقفوا عن متابعة التلفزيون؟ هل سمعتم أحداً قرر مثل هذا القرار؟

نحن جميعاً محكومون بجهاز التحكُّم، يعبث بعقولنا ممثل،
ومقدم برامج موتور، صنعنا من هؤلاء نجوماً وصدقنا الكذبة، قال فلان، ومن فلان
أصلاً حتى يقول، كم من الوجوه ظهرت خلال هذه السنوات الثلاث من حياتنا صرنا نعرفها
أكثر مما نعرف وجوهنا!؟ صار الواحد منهم يسير نجماً، وينام نجماً ويتاجر بالثورة
أيضاً وهو نجم لا ينتقص من نجوميته شيء، كل ناشط إعلامي سجل حضوراً لمرتين أو أكثر
على أي فضائية صار بإمكانه أن يدلي بدلوه في كل شيء، وصار قادراً على قيادة
الجماهير العريضة نحو المستقبل الموعود، هذه حالنا منذ أن حولنا ثورتنا العظيمة
إلى حالة تلفزيونية، في أحد الفيديوهات يقول أحدهم وهو يصور مجموعة من الأطفال
الجرحى، انظروا هذه جرائم بشار الأسد، وهو لا يعلم أنه لا يقل إجراماً عن بشار
الأسد نفسه، فهو لم يبادر لإنقاذ الأطفال لكنه بادر لتصويرهم لعله يحقق سبقاً
صحفياً ينافس من خلاله فلاناً أو فلاناً من زملائه في مكتب إعلامي ما، في ضيعة ما،
يا ضيعة الثورة.

واكتشفنا بمحض المصادفة قصة ناشط إعلامي آخر يطل عبر
الفضائيات بين الحين والآخر ليلعن الجميع، فهم جميعاً باعوا الثورة، وهم جميعاً
يتاجرون بالثورة، وتحديداً “أولئك الذين يقيمون في فنادق الخمس نجوم” ثم
نكتشف أن بطولاته كلها تتمثل في جلوسه في مدينة أوروبية أمام جهاز كمبيوتر وتواصله
عبر الانترنت مع بعض الناشطين والشبكات في الداخل لتزويده بالأخبار. كم كانت
خديعته كبرى؟

هذه الحكايات شكلت للمتلقي السوري صدمات متلاحقة جعلت
البعض يسأم الثورة، وما جاءت به، فعلى الأقل أيام النظام كنا نعرف أن أتباعه كاذبون،
لكننا الآن لم نعد نعرف من يكذب علينا أو باسمنا، ضاعت الطاسة يا عمي، وضاعت سوريا
معها.

قاطعوا التلفزيون، لأن صور أشلائنا المتناثرة على طرقات
مدننا لم تغير في المعادلة شيئاً، لم تجعل العالم يرحم موتنا الذي كان يشاهده،
وانصرف انتباهه كله وطوال شهر كامل إلى البرازيل فهناك كان الحدث الأبرز، وحتى
ناشطونا طلقوا سوريا مؤقتاً، أخذوا استراحة وباتوا يبحثون عن القنوات الناقلة لكأس
العالم، أو الطريقة التي يمكنهم من خلالها متابعة المباريات عبر الانترنت،
وانقسموا على الفرق، كما انقسموا على توزيع المساعدات والإغاثات والظهور على
الفضائيات.

قاطعوا التلفزيون لأن دراما رمضان سرقت الناس عن متابعة
أخبار موتنا اليومي، وجعلت السوريين في مغترباتهم، ويا للأسف، ينتظرون بفارغ الصبر
إطلالة الممثلين الهزيلين الذين ظهروا مذ أيام سعداء وهم يصغون لبشار الأسد وهو
يلقي خطاب القسم، كم كانت وجوههم قبيحة؟! كم أزالت هذه السنوات من مستحضرات
التجميل التي كانوا يخفون بها وجوههم؟!

قاطعوا التلفزيون، فالخبر السوري لم يعد موجوداً،
القنوات قادرة على الانشغال بسوانا، حتى وإن كان الحدث انفجار أنبوبة غاز في بلدة
نائية في إحدى الدول العربية الشقيقة التي لم يخرج مواطنها مرة في مظاهرة للمطالبة
بنصرة السوريين الذين تفوق معاناتهم أية معاناة في التاريخ الحديث.

قاطعوا التلفزيون، وابحثوا عن الأخبار حيثما شئتم ولكن
لا تنتظروها من شاشات مسيسة بطريقة باتت تثير الاشمئزاز، فتمزيقنا بات سؤالاً
عادياً على لسان مذيعة العربية المتميزة نجوى القاسم وهي التي كانت تبكينا في
بداية الثورة، وقتلنا اليومي المتواصل بات أشبه بأخبار النشرة الجوية يتلوها أي
مذيع في قناة الجزيرة وهي التي ناصرت الثورة السورية بكل طاقتها في بداية الأمر،
فما الذي حدث كي ينقلب التلفزيون ضدنا بعد أن كان أحد داعمينا، بل وأحد أدواتنا
الفاعلة؟ فكم أثرت صوره في اصطفاف العالم معنا، وكم أدت أخباره المتلاحقة لهز
النظام وزعزعة سلطته.

ننتظر نشرة الأخبار فلا نجد أخبارنا، نتابع الدراما فلا
نلمس فيها شيئاً ولو بسيطاً من معاناتنا، نبحث ننتقل نحرك جهاز التحكم يميناً وشمالاً
لكن بلا جدوى، فقد صرنا خبراً عادياً عابراً، نحن الملايين المشردة والجائعة
والفقيرة صرنا خبراً عابراً لا قيمة له، ولا يتهافت المراسلون لنقل ما يحدث لنا.

قاطعوا التلفزيون، ولن تندموا، سوف تكتشفون أنكم بدأتم
التفكير في سوريا أكثر، في ما ضاع وما فقدناه، وفيما نحلم به.

شاهد أيضاً

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

اعترافا بالهزيمة في سوريا .. وانكسار النظام

هذه المرة، لا أكتب مقال رأي سياسي، بل أبوح بحجم الهزيمة المرّة التي تعتصر صدورنا، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

nineteen − nineteen =