الآن
الرئيسية / ترجمات / كرد سوريا.. الهوية الملتبسة!

كرد سوريا.. الهوية الملتبسة!

أحمد
قليج

الهويّة
والانتماء القوميان لكُرد سوريا، كانا سابقين على هويتهم وانتمائهم السورييَّن،
تلك حقيقة يعترف بها كُرد سوريا.

فالهويّة
السورية عندهم كانت أمراً واقعاً وقدرياً، لم يكن لهم في هذا الشأن قرار، وعزز رفض
بعض الفئات الكردية لقبول هذه الهويّة وعزلتهم عنها، تعاطي الحكومات المتتالية مع
الهوية الكردية، وعجز المجتمع السوري عن الأخذ بيد المواطن الكردي، ومنحه الفرصة
ليجد ذاته جزءاً من هذه الهوية، مؤمنا بها كحقيقة مرضية له، وليست كأمر واقع.

هذه
العزلة عن الهوية السورية، دفعت كُرد سوريا للتمسك بهويتهم القومية، بشكل يبرز في
بعضٍ من جوانبه، التعصب، حسب وجهة نظر البعض، رغم أن المفكر التركي إسماعيل بشكجي
يرفض في سياق طرحه للهوية الكردية هكذا تصورات؛ إذ يقول:
إنّ “إنكار
وجود الآخرين مع مرور الزمن، يُفضي إلى توليد
الشعور المناهض لديهم، واتخاذ
التدابير اللازمة من جانبهم للحماية، في مواجهة الآخ
ر “المُنكِر”.نجد
هذه العملية في جميع الحركات القومية، لكنني لا أعتقد أنّ عملية
إنكار وجود الآخرين، قد حدثت ضمن
مسيرة الحركات القومية الكردية، بل نجد عند الكُر
د بروز واضح للشعور الإنساني العام، ولأفكار
التآخي”.

تمسُك كُرد سوريا بهويتهم
الكردية، كان حالة مرتبطة بتواصل عاطفي وخيالي، قائم على التصورات التقليدية لفكرة
القومية، المتمثلة بالحلم المشترك، واللغة المشتركة، والألم المشترك.. الخ، بمعنى
أنها لم تمارس بشكل حقيقي، كاختلاط اجتماعي كبير،
وحراكٍ تواصلي على صعيد اللقاء بالشقيق المنتمي للمشروع القومي، فالشعب
الكردي في سوريا، لم يكن قادراً على زيارة البيئات الكردية في تركيا أو أيران أو
العراق، ليبقى اللقاء بالشقيق الكردي مقتصراً على النخب السياسية أو الثقافية. هذه
العزلة عن البيئات الكردية الأخرى، خلقت تصورات رومانسية لدى كُرد سوريا، لدرجةاعتقدوا
معها أن ثمة تطابق اجتماعي وفكري، بينهم وبين كل أكراد المعمورة، غير متخيلين،
ورافضين لوجود أي اختلاف فيما بينهم حتى لو كان في نوعية الطعام!.

دفعتهم هذه العزلة الموجهة
ضدهم من جهتين؛ هوية سورية رافضة لوجودهم، وحكومات تعمل كل ما بوسعها لمنعهم من
التواصل واللقاء بالشقيق الكردي في تركيا والعراق، دفعتهم للعمل والتضحية في كل
ثورة أوانتفاضة أوحدث يقع في أجزاء مناطق انتشارهم، وإلى المشاركة فيها بقوة، لا
يَنكرها عليهم كُرد العراق أو تركيا.

ففي ثورات كُرد العراق
المتلاحقة، تجد كُرد سوريين قادة لألويّة في “البشمركة”، بالإضافة
لحملاتٍ ضخمة قاموا بها لإرسال مساعدات لوجستية، طبية، غذائية؛ ومساعداتٍ مالية
جمعت على عجل، من جيوب فلاحي وعمال وفقراء كرد سوريا.

تجدهم أيضاً فخورين بتضحيتهم
بأكثر من (5000) شابة وشاب من أبنائهم، في الكفاح المسلح الذي أطلقه “حزب
العمال الكردستاني” في تركيا، في ثمانينيات القرن المنصرم وحتى الآن.

مع انطلاق الثورة السورية،
فُتحت نوافذ جديدة، بدا فيها جيلٌ سوريٌ يعيد صياغة هويته السورية، صياغةً تطرح كل
الحقائق، وكل تفاصيل الهوية السورية موضع البحث، في محاولة لإيجاد الحل لجُل
المشكلات التي تمنع أبناء سورية من الاندماج في هوية سورية جامعة، (رُفعت أعلام
كردية في مظاهرات حمص، وشعارت تضامن، وترحيب بالهوية الكردية من قبل الشباب الثائر)،
سرعان ما تجاوبت معهم شريحةٌ واسعة من جيل كردي شاب، لدرجة مثيرة للتساؤل والبحث.

بعد ذلك جاءت تصريحات معارضينسياسيين،
وطغيان الصبغة الإسلامية على الثورة المسلحة، التي بلغت مرحلة الهجوم على قرى ومدن
كردية، معرقلةً بذلك جهد التصالح مع الهوية السورية، ودافعةً كُرد سوريا للانغلاق
على الذات مجدداً.

مع ازدياد العنف في سوريا،
بدأ الكُرد تجربة اللجوء مثل كل السوريين،
وبأعداد كبيرة. فأكثر من 27
0ألف كردي سوري توافدوا لمدن “إقليم كردستان العراق”، وقسمٌ كبير آخر لجأإلى
تركيا. وقد منح ذلك الأكراد السوريين فرصة تاريخية للقاء أشقائهم في العراق وتركيا،
وبشكل جماعي كبير، ليجدوا أنفسهم أمام مجموعة حقائق مؤلمة، عن مدى الاختلاف بينهم
وبين كُرد باقي دول الإقليم، بدءً باللهجة، والتشدد الديني، لدى كرد العراق
وتركيا، في مقابل علمانية كُرد سوريا، وليس انتهاءً بتعريف كُرد العراق لهم كسوريين!

أما في تركيا فبلغت الصدمة
حداً مؤلماً، حين نشرت وكالات الأنباء خبراً عن أكثر من خمسة آلاف كردي سوري
يبيتون في حدائق محافظة (باطمان)، المحافظة التي سقط على ترابها العشرات من
أبناءهم في صراع “العمال الكردستاني”!

أمام هذه الصدمات التي تلقاها
كُرد سوريا من أشقائهم في بقية الدول المجاورة، وجدوا أنفسهم في وضع أشبه ما يكون (برجُل
ابن سينا المعلق في الفضاء)، في مثاله لإثبات النفس، فلا هم وجدوا كُرد العراق
وتركيا متطابقين مع تصوراتهم الرومانسية عن الفكرة القومية، لا كحالة تطابقٍ
اجتماعي ولا كحماسةٍ قومية، ولا هم قادرون على العودة للاندماج في الهويّة السورية،
تبدو في أضعف مراحلها، وأكثرها تشظياً، أمام الصراع الدموي والانقسامات المذهبية،
ليبدو سؤال الهويّة الذي طرحه الشاعر الكردي “جيكرخوين” في قصيدته (من
أنا)، مُلحاً أكثر من أي وقتٍ مضى، وإيجاد جوابٍ له معلق مثل (رجُل ابن سينا) في
فضاء الحرب السورية وشكل حسمها!

شاهد أيضاً

طبّاخ سوري ذاع صيته في لندن!

تحدّثت صحيفة “الغارديان” البريطانية، عن قصّة طبّاخ سوري حقّق نجاحاً مبهراً بعد وصوله إلى بريطانيا …

3 إغراءات لبوتين مقابل التخلي عن الأسد.. تعرّف عليها

كشفت “صحيفة فرانكفورتر الغماينة تسايتونغ”أن مباحثات صناع القرار الغربيين خلف الأبواب المغلقة حاليا مع موسكو …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − eight =