الآن
الرئيسية / منوعات / عن العرب.. و الفنتازيا التاريخية

عن العرب.. و الفنتازيا التاريخية

أحمد العربي

لطالما كان التاريخُ يعيد نفسَه، ويكرّر أحداثه، وغالباً ما يرجع ذلك إلى الجينات التي
تنتقل بالوراثة من جيل إلى آخر بين من يصنعونه، ولعل العرب أدرى الناس بسيرة
التاريخ هذه، فهم مازالوا أسرى، يدورون في حلقته المفرغة، دون أن يستطيعوا كسرها
والخروج منها لاستحداث واقع جديد يختلف عن أمسهم.

وربما يعود ذلك لنقاء أنسابهم واعتزاز العربي
بأصله وبنهج الأجداد، ولكن إعادة أحداث التاريخ تبقى مرهونة بمن يكتبه والعصر الذي
يُخط فيه، فتكون الإعادة مطابقة للأصل أحياناً إن كان الخلف شبيهاً بالسلف، أما إذا كان أقل وأضعف، خصوصاً في عصور الانحطاط،
فإن التاريخ يجدد أحداثه بشكل فنتازيّ يحتفظ
بجوهر الحدث ولكنْ يقدّمه بسياقات مختلفة. فلو أخذنا زماننا الذي هو عصر انحطاط
بامتياز يتناسب فيه الخلف عكساً مع السلف، فكلما أتى جيل جديد ازداد ضعفاً وهزالةً
وقزماً بالمعنى النفسي والفيزيولوجي عن سابقه.

فمشهد انقسام العرب اليوم
لا يختلف عن تفرقهم الأول عن أنفسهم بين غساسنة يتبعون الروم و
مناذرة يتبعون الفرس، وإن كان التوزيع الديموغرافي لهم
قد اختلف قليلاً، حيث أن الغساسنة سكان بلاد الشام قد أصبحوا أيضاً تحت سلطة الفرس
و تحوّل الروم بحسب مصالحهم إلى شبه الجزيرة العربية في حين لايزال المناذرة في
العراق على ولائهم التاريخي للفرس.

أما مصر فلم تحسم أمرها بعد،
أتبقى مع الروم أم تمشي في ركب الفرس؟، لكن “أوباما” الروم ليس برجولة ووسامة
مارك أنتوني، و”السيسي” ليس “كليوباترا” الفاتنة، ونجاشي
الحبشة عاد لحلمه الإمبراطوري متربّصاً بمصر ونيلها، كما لم يعد في مصر مساحة
خالية ليقيم الفاطميون مدينة جديدة فيها، و”صلاح الدين” صار قومياً ولم
يعد إسلامياً، أما حقوق الإنسان والحداثة ألغت العبودية فاختفى المماليك، و”محمد
علي” ينشد الانضمام للاتحاد الأوربي فالإسلام بات يثقل كاهله، ولم يبق لمصر
اليوم إلا انتظار عمرو بن العاص الذي سيرسله “الخليفة” الجديد من الموصل
لا من المدينة المنورة. ذاك الخليفة الذي يظهر على المنبر بساعة فاخرة في يده تمثل
مشهداً من الفنتازيا التاريخية المتناقضة بين مايمثله تصور الخليفة التاريخي
، وما تمثله “الساعة” في عصر السرعة الذي
نعيشه، وكأن هذا المشهد من إخراج “نجدت أنزور”.

وبالعودة لوضع العراق والشام نجد الغساسنة اليوم
هم من يثورون على حكم فارس في منافسة تاريخية مع العراق على ذي قار الجديدة، فاليوم
لدينا نسختان من “النعمان بن المنذر” إحداهما “بشارالأسد” في
سوريا و “نوري المالكي” في العراق، يتنافسان على الولاء لكسرى رغم أن
التشبيه ظالم للنعمان فهو رغم تبعية مملكته (الحيرة) للفرس إلا أنه كان عربياً
بامتياز لا يذل ولا يهان. فحين أراد كسرى إذلاله بطلب الزواج من بناته، أبى، وكلّفه
هذا الموقف حياته، أما بشار و المالكي فيتمنيان أن يطلب كسرى منهما هذا الطلب، حتى
لو لم يكن زواجاً عادياً بل للمتعة فقط.

إن سلسلة التاريخ المكررة
وحلقة أحداثه المحكمة الإغلاق بالنسبة للعرب تنبأ بأن ذي قار قادمة لامحالة حتى وإن
غيّرت فارس أيديولوجيتها في السيطرة من القوة إلى المذهب، وإن أصبحت قبائل جنوب
العراق (أرض معركة ذي قار) شيعية موالية لفارس، فحتمية الحدث التاريخي تقول إن
النعمان مقتول لا محالة، تحت سنابك الخيل العربية لا فيلة كسرى، وأن قبائل العرب
وإن تفرقت شيعةً ومذاهبَ سيبقى الهم القومي يوحّدها ويسمو فوق الانتماءات المذهبية،
وأن العربي كان ولايزال لا يقبل الذل، ولا ينام على الضيم.

شاهد أيضاً

النظام يقرّر إزالة 90% من حواجز دمشق

يعتزم النظام السوري، إزالة معظم الحواجز العسكرية والأمنية داخل العاصمة السورية دمشق وفي محيطها، وذلك …

النظام يعد بتسريع الأنترنت “أربع أضعاف”

وعد النظام السوري، بزيادة سرعة شبكة الانترنت في سوريا، بمعدّل أربع أضعاف زيادةً عن السرعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 4 =