الآن
الرئيسية / تحقيقات / عشرات آلاف السوريات يعانين الفاقة والاستغلال في بلدان اللجوء!

عشرات آلاف السوريات يعانين الفاقة والاستغلال في بلدان اللجوء!

غازي عنتاب – نسرين أنابلي

تتعدد مشاكل
السوريين في دول اللجوء وتتفاقم، فالقدر العاثر، أجبر ملايين السوريين على الفرار من
الموت والدمار جراء الحرب في بلادهم، ليواجهوا صعوبات لا طاقة لهم باحتمالها كذلك
خارج وطنهم.

منذ بداية الثورة، قدّمت المرأة
السورية الكثير، فكانت الثائرة وأم المعتقلين وأم الشهداء، أما هنا، في دول
اللجوء، فهي تقدم تضحيات من نوع آخر. ولأن كان العرف الدارج لدى الكثير من
العائلات التقليدية السورية، أن يكون الزوج هو المعيل الأساسي لأسرته، إلا أن حال السوريين
هذه قد تغيرت الآن في تركيا، حيث يتحمّل عدد كبير من النساء أعباء الأسرة وتكاليف
عيشها، إما بمفردهن أو بمشاركة الزوج في بعض الأحيان.

نساء بلا مُعيل

في أسواق مدينة غازي
عنتاب الشعبية تكثر رؤية الفتيات السوريات اللواتي يعملن في محلات الألبسة، وتتراوح
أعمارهن بين الـ 18 سنة والثلاثين، يستقطبهن أصحاب هذه المحلات من أجل الزبائن
السوريين، الذين باتوا يملؤون أحياء المدينة، ولا يتقنون اللغة التركية، ويجد صاحب
العمل صعوبة بالتعامل معهم.

ألمى (19 سنة)، من
مدينة حلب تعمل في محل لبيع الألبسة النسائية منذ عدة أشهر. تتحدث ألمى لـ “صدى
الشام” عن ظروف عملها فتقول: “قدمت إلى هنا مع أسرتي منذ سنة ونصف السنة.
في البداية كان والدي يعمل ويصرف على المنزل، ولكن بعد أن تدهورت حالته الصحية
نتيجة إصابته بالربو، بدأت بالبحث عن عمل لكي أساعد أهلي، وساعدني إلمامي البسيط
باللغة التركية على ايجاد فرصة العمل هذه، وإن كانت غير كافية لأن تسدد نفقات
العيش، ولكنها أفضل من لاشيء”.

وفي محل آخر لبيع ألبسة
الأطفال ومستلزماتهم، بادرتني شابة سورية بابتسامة بعد أن ألقيت عليها التحية
بالتركية، وقالت لي: “أنا سورية متلك”. تدعى هذه الشابة خلود عمرها نحو
(20 عاما) وهي من ريف ادلب، وتعمل في محل ألبسة الأطفال هذا منذ سنة تقريباً. تقول
خلود: “لم أكن أتوقع في حياتي أن أترك بلدي، واضطر للعمل بدلاً من إكمال
دراستي، وقد كنت أدرس آداب اللغة الانكليزية في جامعة حلب، ولكني اضطررت وعائلتي
للهرب من سوريا، بسبب القتل والدمار والتضييق الأمني، ولاسيما بعدما توفي والدي
بقذيفة سقطت أمام منزلنا، وحالياً أنا وأمي وأخوتي الثلاثة الصغار هنا في غازي
عنتاب”.

وعن ظروف عملها
والمرتب الذي تتقاضاه، أوضحت خلود، أن “ظروف العمل سيئة بشكل عام، فأنا أعمل
10 ساعات يومياً، وأقضى اليوم وقوفاً على قدمي، وبترتيب البضاعة والحديث مع
الزبائن، وهذا كله مقابل 100 ليرة تركية في الأسبوع فقط، يذهب ثلثها تكلفة مواصلات، لكن “ما باليد حيلة.. الله يرجعنا على
بلادنا بأقرب وقت”، تضيف بأسىً!

ولا تختلف قصة ميساء
عن قصص ألمى وخلود كثيراً، فهي سيدة في السابعة والثلاثين من عمرها، من مدينة حماه
وأم لطفلين. وميساء خريجة كلية التربية قسم معلم صف، هربت من سوريا مع طفليها وزوجها
المقعد نتيجة تعرضه لقذيفة أدت لبتر ساقه. تعيش ميساء في غرفة صغيرة في حي شعبي
يدعى (دوزتبه).

تتحدث ميساء عن وضع
أسرتها بحزن بات يلف أغلب حياة السوريين: “بعد إصابة زوجي صعبت الحياة علينا
في مدينتي كثيراً، فقررنا المجيء الى هنا حفاظاً على حياة أولادي، ولكني لم أكن
أتصور أن يكون الواقع الذي ينتظرني هنا بهذا السوء. حاولت أن أجد عملاً في إحدى
المدارس السورية هنا لكوني أحمل شهادة جامعية ولكني لم أستطع. البعض يريد وساطة
ليقبلني بالعمل وآخرون اشترطوا أن أعمل بشكل تطوعي وهذا الأمر مستحيل كوني المعيلة
الوحيدة لأطفالي، فزوجي لا يستطيع العمل بسبب وضعه الصحي”. وتضيف ميساء:
“عملت في العديد من المهن، كالخياطة والحياكة، وحتى في سوبر ماركت، عاملة تنظيف،
وحالياً أعمل في مطعم تركي مترجمة للزبائن السوريين، بالإضافة للقيام بأعمال
التنظيف والعناية بطفلة صاحبة المطعم في أوقات الفراغ”.

أرقام خطيرة

ذكر تقرير أصدرته
الأمم المتحدة أن عدداً كبيراً من النساء السوريات اللاجئات اللائي فقدن أزواجهن،
خلال أعمال القتال في سوريا، يعشن تحت ضغوط شديدة، ويواجهن التعرض لمخاطر عالية من
الفقر والاستغلال.

وأوضح التقرير الصادر
عن مكتب المفوض الأعلى للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في جنيف، أنه من بين كل أربع
أسر للاجئين السوريين توجد أسرة تقودها امرأة، ما يعني أن نحو 145 ألف امرأة في
هذه الدول يواجهن هذا الوضع.

وتتاح لواحدة فقط من
بين كل خمس نساء منهن الفرصة للعثور على عمل بأجر، وغالبا ما يرسلن أطفالهن للعمل
لزيادة دخل الأسرة، ما يجعل هؤلاء الأطفال لا يحصلون على التعليم الجيد.

وينعكس هذا الوضع
المعيشي المزري على نفسية المرأة السورية وشخصيتها، فمعظم النساء العاملات يملنَ
للانطواء وعدم التعاطي مع المحيط الاجتماعي حولهن، وذلك بسبب طول فترات العمل
والاعتناء بأسرهن، ومن ناحية أخرى فإن خوف المرأة من التعرض للاستغلال نتيجة العوز
المادي يعزز حالة الانطوائية لديها أكثر.

ويوضح الدكتور عمر أبو
عسلي، المختص بعلم النفس العيادي، الوضع النفسي للنساء السوريات في دول اللجوء الفاقدات
أزواجهن أو آبائهن بالقول: إن “فقدان رب الأسرة، كالأب أو الزوج، يهدد الأمان
النفسي الذي تشعر به الأنثى خلال وجوده بحياتها. ويُحدث غياب هذا الاحساس اضطرابات
نفسية تنعكس على شخصية المرأة، كالانطوائية والميل للعداونية، وفي حالة اللاجئات
السوريات الفاقدات للزوج أو الأب، يصبح الوضع أكثر حساسية، فهن في بلاد غريبة
ومجتمع وعادات وظروف معيشية مختلفة، بالاضافة الى أن سوء الوضع المادي يزيد في إحساسهن
بانعدام الأمان، لذلك نجدهن يُخفين، بالعزلة والعدوانية، الاحساس الباطني بالخوف
والاستغلال من أي آخر غريب في البيئة التي يعيشن فيها، وهذا ناتج عن إحساسها
بالاستضعاف وفقدان القوة التي كانت تمتلكها بوجود الزوج أو الأب، كما هو سائد في
الأعراف التقليدية”.

إذاً.. هن نساء هربن
من مطاردة الموت لهن، ليطاردهن شبح الإذلال والاستغلال والعوز في مجتمعات غريبة
عليهن، لا تَعرفنها، ولا هي تعرفهن، وكل ذلك من أجل البقاء على قيد الحياة!

شاهد أيضاً

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

الطفل حسن دياب - انترنت

مجزرة الكيماوي: روسيا تكذب في لاهاي وتحتجز “الشهود” في دمشق

وفق ما جرت العادة في أروقة المجتمع الدولي خفت الصوت المنادي بعقاب المجرم بشار الأسد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + three =