الآن
الرئيسية / ثقافة / شاعرٌ خانتهُ الثورة

شاعرٌ خانتهُ الثورة

أحمد العربي

“مايكوفسكي” واحد من أهم شعراء النصف الأول من القرن
العشرين .دوى صوته مجلجلاً في أصقاع روسيا القيصرية .ندد بالعبودية والاستبداد وهو
فتى، واعتنق الأفكار الثورية مبكراً ، ثم انضم إلى حزب البلاشفة واعتقل عدة
مرات، كما سخّر حياته وكل مواهبه وطاقاته من أجل الثورة
الاشتراكية وقضايا الشعب الكادح الغارق في مملكة الظلام.

فقد كان هذا الشاعر الثائر كلما خرج من السجن
يقول : “أريد أن أصنع فناً اشتراكياً “. وبعد انتصار ثورة أكتوبر
الاشتراكية ,تبدأ مرحلة جديدة في حياة مايكوفسكي الإبداعية و الاجتماعية ليعلن،
“إنها ثورتي “. حيث فجر الشاعر كل طاقاته، وعمل في كل الاتجاهات من أجل ترسيخ مبادئ الثورة الفتية، فألقى القصائد الحماسية في منظمات الشباب
والعمال والفلاحين، مضمناً قصائده شعارات الثورة التي لم يألفها الشعر الروسي من
قبل مدافعاً عنها بحزم، مسوغاً ذلك بأن الفن يجب أن يكون في خدمة الشعب، مستجيباً
لمتطلبات المرحلة وقضايا جماهير الكادحين العادلة .

ضاقت به موسكو على
رحابتها ,فانطلق إلى أرجاء روسيا ومدنها الكبرى، قاصداً فيها المعامل و المزارع
وكل التجمعات البشرية، ملقياً فيها قصائده الثورية، فلم يكتف بذلك، بل كتب المسرحيات
والسيناريوهات للسينما، ومثّل فيها أيضاً، حتى أنه كتب بنفسه الشعارات الثورية
واللافتات في الشوارع، ثم ما لبث أن غادر روسيا إلى ألمانيا وفرنسا والمكسيك
والولايات المتحدة الأمريكية ليبشر بالثورة، فأخذ يلقي قصائد ومحاضرات عن الثورة
والاشتراكية والأدب الروسي، معتزاً ببلده وثورته حيث كان يقول في كل بلد يصل إليه
:”جئت لأدهش لا لكي أندهش”.وحتى حين أغرته باريس بسحرها وجمالها حيث وجد
فيها “تاتيانا” التي أحبها، لم يتفوق جمال باريس وحب تتاتيانا على حب
قضيته التي نذر نفسه لها فعاد إلى موسكو وهو يقول: “تمنيت أني أعيش في باريس
وأموت فيها لو لم تكن هناك أرض اسمها موسكو” .

ولكن يا للخيبة
الكبيرة..، فقد اصطدم الشاعر بالمتسللين إلى الحزب وبالمتسلقين والانتهازيين
والبيروقراطيين، الذين استلموا مناصب في جهاز الحزب والحكومة .واستمر مايكوفسكي
يناضل ضد كل أشكال الفساد الذي بدأت ريحه
تحرف سفينة الثورة عن مسارها، لكن تلك الريح كانت عاتية بحيث لم يستطع ذلك الثائر
الوقوف بوجهها، فأوغر المتسلقون صدر “لينين” قائد الثورة ضد مايكوفسكي
حتى أبعده عنه ومنع طبع دواوينه .وعندما شددوا القبضة عليه وأحكموا الحصارلم يبق
أمامه أي مخرج، كما قال برسالته الأخيرة .فأنها حياته بيده في 14نيسان1930.لقد تعب
الثائر وأحس أنه لم يعد قادر على تقديم المزيد، وقلبه الرقيق الذي يحمله قد مزقته
رؤية الثورة تنحرف عن مسارها. فاختار الرحيل عملاً بما كان يدعو إليه حيث قال
:”من لا يستطيع أكثر فلينسحب ويذهب”.

هذا هو المثقف
الحقيقي الثوري, الذي يلتحم بالجماهير الثائرة فيكون لسان حالها، والمعبر عن أمالها
وآلامها، وينذر نفسه وفنه وإبداعه في سبيل خدمة القضية التي يؤمن بها .

لامن يضع نفسه في
برج عاجي معتبراً نفسه ( نخبة ) أرقى من الجماهير، يمن عليهم بالتنظير .وهنا يطرح
السؤال، أين هم المثقفون العرب عموماً والسوريون خصوصاً من هذا الشاعر العظيم ؟وما
الذي قدموه لبلدانهم وشعوبهم ؟ .

لقد حققت شعوب
الربيع العربي سبقاً ثورياً عالمياً حيث تجاوز وعي الجماهير فكر المنظرين ,ووقف
هؤلاء على اختلاف اختصاصاتهم، من رجل الدين، إلى الفنان ولأديب والممثل، كما
الأنظمة مرتبكين أمام سيل هذا الجمهور الجارف، الذي أزاح عنهم كل الأقنعة الزائفة
التي كانت تستر قبح وجوههم .لينقسموا تبعاً لمصالحهم بين الأنظمة والشعوب. أما من
اختار الأنظمة فلا عتب عليه، لكن من اختار جانب الشعب هو الملام، أين هؤلاء من
تضحيات الشعوب؟، وهل دعم الثورة يكون بالانفصال عنها واللجوء إلى بلدان أوروبا
بجوازات سفر ممهورة بدماء الثوار الحقيقيين على الأرض؟، أم باستعراض العضلات –
المأجور – على شاشات التلفاز صباح مساء.

لكن في المقابل
فإن الشعوب ليست ساذجة، وثورتها لا تقتصر على الأنظمة الفاسدة فقط، وإنما على جميع
مفرزاتها القذرة التي تحاول أن تلوث نقاء نهرها . فهاهو شاعرنا الثائر، ” صوت
الجماهير
” يلخص غضبها بأربع صرخات، أطلقها مدوية في وجه كل مفردات عصر
الاستبداد والانحطاط .لتكون شعاراً لكل الثورات على مر الزمان: “فليسقط حبكم،
فليسقط فنكم، فليسقط نظامكم، فلتسقط ديانتكم”.

شاهد أيضاً

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 2 =