الآن
الرئيسية / تحقيقات / رمضان السوريين في المخيمات التركية.. حنين للماضي وأمل بعودة قريبة

رمضان السوريين في المخيمات التركية.. حنين للماضي وأمل بعودة قريبة

غازي عنتاب – نسرين أنابلي
يحاول اللاجئون السوريون في المخيمات التركية إعادة شيء من أجواء شهر رمضان التي كانوا يعيشونها في بلادهم.
إنه رابع رمضان يمر على سكان خيم اللجوء في تركيا. وكالعادة يحمل معه آمال السوريين وصلواتهم في أن يكون آخر شهر رمضان يقضونه في خيم وكرافانات اللجوء.
في مخيم نيزيب الذي يقع في مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، نجد مظاهر الاحتفال برمضان قد عمت المخيم الذي يضم 6000 لاجئ، حيث تعج أسواق المخيم بالأطعمة والمشروبات الرمضانية التي اعتاد السوريون على تناولها في بلدهم، (كالعرقسوس والتمر الهندي)، بينما تجد في ركن آخر من السوق رجل يقف أمام عربة لبيع الفلافل وقد زينها صاحبها بالمصابيح المنيرة، للتعبير عن الاحتفال بقدوم الشهر الكريم.
وبينما ينهمك الرجال في شراء حاجات ولوازم الأسرة، تتجمع نسوة من أسر عدة حول وعاء معدني كبير، ويبدأن بإعداد خبز الصاج السوري للإفطار، إذ تعيد رائحته الشهية للأذهانهن ذكريات الوطن المكلوم، وقبل آذان المغرب بنحو ربع ساعة، يبدأ أطفال المخيم بالتنقل بين الخيام، لتوزيع “السكبة الرمضانية” للجيران، كما جرت العادة في سوريا.
يجوب (أبو رائد) سوق المخيم، باحثاً عن ضالته من المواد الغذائية الجيدة والرخيصة في الوقت ذاته، بينما لاتغيب صورة بلاده وأسواقها وأجواء هذا الشهر الفضيل فيها، كما يقول. 
يؤكد أبو رائد، أن “الوضع هنا يختلف عما كنا نعيشه في سوريا. هناك كنا نبدأ بالتجهيز والتسوق قبل أسبوع من بداية رمضان، وكان كل شيء متوافر وبكثرة، حتى مذاق الطعام هنا لا يشبه مذاق الطعام السوري، رغم تواجده، بسبب اختلاف نوعية المواد الأولية المستخدمة، كعصير (قمر الدين) الذي يصنعونه هنا من منقوع شراب المشمش، ذلك تجد مذاقه مختلفاً رغم تشابه اللون والخواص”. 
أما في مخيم (إصلاحية)، فقد أدخل شهر رمضان بهجة وفرحة كانتا مفقودتين منذ زمن، إلى قلوب السوريين، من خلالالتواصل والمودة، في محاولة لاستجلاب الفرح والسعادة وسط ظروف اللجوء القاسية.
تجلس (أم السعيد)، الحاجة الستينية أمام خيمتها وهي تقوم بتصفية اللبن لإعداد اللبنة من أجل وجبة السحور، وتقول بحسرة: “إنه ثالث رمضان أقضيه هنا. وفي كل عام كنت آمل بالعودة لبلدي والعودة لطقوس رمضان التي اعتدنا عليها هناك. كنا نقضي أول أيام الصوم في بيتنا، حيث يجتمع كل أولادي وأحفادي، ونتشارك تحضير الأطباق الشهية والمتنوعة، وكان أحفادي يشاركوننا  الصوم، طمعاً بالحلويات التي كنت أقدمها لهم كمكافئة”. وتستطرد بحزن، “أما اليوم أعيش في المخيم مع ابنتي الأرملة وطفليها فقط، بينما ابني الكبير يقاتل داخل سوريا، والآخر ما يزال يعيش في المناطق “المحررة” بحلب. لقد تشتتنا وفقدنا عذوبة ومتعة هذا الشهر الكريم، لكن كلي أمل أن يكون هذا الشهر الفضيل هو الأخير الذي نقضيه في مخيمات اللجوء”. 
تتجلى تلك المشاعر والأجواء الرمضانية الجميلة، في شارع السوق الرئيسي في المخيم، حيث يعجّ الشارع بحركة كبيرة. وتنتشر عربات الخضار والمأكولات الشعبية كـ (العجّة والفول) وغيرهما. أما عن ساعة الذروة في شارع السوق التي تسبق آذان المغرب بساعة واحدة، فلها وصفها الخاص ونكهتها المميزة في المخيم، إذ لا تكاد تجد مكاناً لوضع قدمك لكثر أعداد المتسوقين الذين يملؤون الطرقات، وأكثرهم يتزاحمون حول بسطات شراب التمر الهندي والعرق السوس والعصائر، التي تلقى رواجاً في الشهر الفضيل.
ونظرا لطبيعته الساحرة بكل شيء، يمثّل شهر الصوم موسم رزق وخير وافر لكثير من الشبان العاطلين من العمل، حيث يجد الشباب ضالتهم من خلال عملهم في بيع العصائر الباردة والمصنوعة بنحو محترف.
أم ناصر(37سنة) من قرية كفرزيتا بحماه، تتحدث بتفاؤل قل نظيره بين سكان المخيم عن رغبتها في ممارسة كل ظقوس رمضان رغم اختلاف الزمان والمكان، فتقول مبتسمة: “صحيح أن الظروف هنا مختلفة جذرياً، ولكني أحاول قدر الإمكان أن أحاكي عاداتنا وتقاليدنا في سوريا، فأنا وجاراتي نتبادل أطباق الطعام قبل الإفطار، ونجتمع بعد الإفطار في إحدى الكرافانات ونشرب الشاي السوري، مستذكرين رمضان زمان وأيام زمان”.
مع تلاصق البيوت في المخيمات، تتلاصق المشاعر والصلات الأخوية، فما إن تُعَدّ مائدة الإفطار ويُسكب الطعام في الأواني، حتى تكون هناك أطباق تسكب خصيصاً لجار عزيز أو عائلة مستورة، وليوثق بذلك أهالي المخيمات أواصر المحبة في شهر الرحمة، فكل شيء مشترك؛ الهموم والمشاكل والأفراح وحتى الطعام.
ومع رفع آذان المغرب وحلول موعد الإفطار، يخلو المخيم وأزقته من المارة، ويسود الهدوء المكان، ولا يسمع في الزقاق سوى أصوات الأواني وأحاديث الناس في أثناء تناولهم الإفطار، بينما يسارع الأطفال إلى تناول الطعام للخروج للعب، وينتشرون في حارات المخيم وأزقته، حيث تعلو أصوات لعبهم ولهوهم بعد يوم صيام طويل.
ولعل اللعبة الأكثر شعبية في شهر رمضان، هو تقليد المسّحّر، إذ يحمل الأطفال أواني معدنية ويطرقون عليها ويرددون العبارات التي يقولها المسحر؛ (يا نايم وحِّد الدايم.. قوموا على سحوركم رمضان إجا يزوركم). وتنتشر بين الأطفال أيضاً الأسلحة البلاستيكية والخشبية والمفرقعات، في محاكاة لما عاشوه وشاهدوه خلال الأحداث في سوريا، من اقتحامات واشتباكات ومعارك، فتتحول أزقة المخيم إلى ما يشبه (ساحة حرب) حقيقية بفعل أصوات المفرقعات والأسلحة البلاستيكية.
هكذا يمضي اللاجئ السوري يومه في شهر رمضان، محاولاً أن يتناسى قليلاً هموم حياته التي أثقلها اللجوء، وفقدان الوطن والأحبة.

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 9 =