الآن
الرئيسية / رأي / “داعش” والتهام الثورة

“داعش” والتهام الثورة

عمّار الأحمد
بامتناع قوى الثورة العراقية عن تصنيف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، “داعش” كقوة إرهابية، يعمل ضمن المخطط الإيراني في العراق لتدميره، تكرر ما فعلته المعارضة السورية – وليس الثورة- إزاء “جبهة النصرة”، وكل من يحمل السلاح بأنه مع الثورة وضد النظام، وهو ما أدّى إلى تفاقم المشكلات، وفوضى السلاح وفوضى “الأسلمة” وفوضى الكتائب وفوضى التمويل وفوضى القتل. 
وهذا ما مكّن النظام من التسلّل بسهولة إلى عمق الثورة وتشكيل ثورته المضادة في قلب الثورة، فكانت المعارضة، ممثلة بالمجلس الوطني، ولاحقاً “الائتلاف” وقبلها “داعش” وأخيراً الجبهة الإسلامية، لتكون الحصيلة تحكماً إقليمياً وإمبريالياً بكافة أطراف الصراع في سوريا. 
تنظيم “داعش” الذي أعلن زعيمه البغدادي خلافته على مسلمي العالم برمته، استطاع، كما يبدو تمويل نفسه من العراق، ونقل جزءاً من السلاح إلى سوريا، وهو يحرز “انتصارات” في المنطقة الشرقية من سوريا، ويفتك بالكتائب المسلحة، ويحكم قبضته هو والنظام عليها، وهو ما يهدد جديّاً الثورة في كامل المنطقة الشرقية. الحرب هناك كر وفر كما شهدنا في مدينتي البوكمال ودير الزور، ولكن بغياب أي استراتيجية للتحرير من المعارضة المتسلطة، فإن الفصائل العسكرية أصبحت مرغمة على الخضوع للخارج بسبب سياسات المعارضة الانتهازية، وبالتالي فإن عدم وصول دعم حقيقي ومستمر ودون توقف وبإقصاء الشعب نهائياً عن قيادة الثورة، قد يساهم في سقوط المنطقة الشرقية بيد “داعش” والنظام، وهو ما سيعقد الأوضاع لاحقاً في حلب وريفها، ومع الأكراد أيضاً.
لا يمكن لـ “داعش” وللجبهة الإسلامية، إلا التوسع، وكذلك النصرة وسواها من التيار الوهابي والسلفي ما لم تحسم قوى الثورة الشعبية والقوى السياسية أمرها بخصوص مستقبل الثورة، داخل سوريا وخارجها. 
الآن لا يوجد شيء اسمه جيش حر في الغوطة الشرقية مثلاً. والألوية الرئيسية تخزن سلاحها لمرحلة قادمة، و”داعش” أصبح موجوداً كذلك، وعديد قواته في الرحيبة يفوق الثلاثة آلاف وخمسمائة عنصر، ولن يكون قائد الجبهة الإسلامية زهران علوش قادراً على إخراجه كلية من الغوطة بعد تفجر الحرب بينهما مؤخراً. إذاً ولكي لا نخسر الثورة بأكملها، فإن أمر قوى الثورة متعلقة بإيجاد رؤية وسياسات جديدة تتيح للثورة استعادة ذاتها، وهذا متعلق بتفعيل دور الشعب مجدداً. وهو غير ممكن إن بقيت قوى الثورة رهينة لسياسات الائتلاف الوطني الفاشلة، التي تتمحور بالاعتماد الكلي على الخارج، رغم أن هذا الخارج أعلن أن لا سلاح نوعياً، ولا مال كافياً، ولا انتصار للثورة. قدموا لنا ضمانات للأقليات.. كذا!!
تخصيص الرئيس الأميركي باراك أوباما مبلغ 500 مليون دولار لدعم المعارضة، مشروط بقتال “داعش” كما قيل، ولكن الرجل ينسق مع إيران والنظام السوري في العراق، وبالتالي لا يسمح باستخدام هذا المال ضد النظام السوري، بل ضد “داعش” فقط!!  وإذ ما كان “داعش” ظاهرة استخباراتية، فهل فعلاً أن أمريكا، التي راقبت “داعش” وهو ينهض ويكبر ويسيطر، تريد محاربته؟! 
المال ليس لقتال “داعش” بل لتدمير الثورة، هذه هي الحقيقة. ربما نجاح الثورة العراقية سريعاً قد يغير من كل معادلات الوضع السوري، ولكن تأخر ذلك سيعقد الوضع أكثر فأكثر، وقد تغرق سوريا والعراق معاً في حروب ذات طابع مذهبي وطائفي ومناطقي، وهي لم تُظهِر وجهها الكارثي حتى الآن رغم كل ما يحدث في كلا البلدين. 
كل سياسات دول الإقليم، هدفت ومنذ بداية ثورات الربيع العربي أن تصل الثورة السورية إلى الحرب المذهبية والطائفية. وسيناريو الإعلام ضد الثورة العراقية وتصويرها بأنها “داعشية”، مثال عيني ومكتمل الوضوح لما حدث في سوريا منذ عام 2011، وأكثر من دفع الوضع نحو هذه الكارثة هو النظام والمجلس الوطني، ولاحقاً الائتلاف الوطني وبطريقة مخزية جداً.
الثورة لا تزال تنبض في الشعب المُهجَّر وفي المعتقلين وفي أجساد الشهداء، وفي المتظاهرين في المدن كافة ضد الفصائل الجهادية التي تريد فرض سلطتها على الشعب. الثورة لا تزال في النصوص التي تؤكد أنها ساعية نحو إيجاد دولة لكل السوريين، بغض النظر عن الدين أوالمذهب أوالجنس.
تنظيم “داعش” لن يتوانى عن بناء سلطاته، فهو لا يعيش إلا بأزمنة الحروب والتسلط، وهو بالتحديد صناعة استخباراتية خالصة، ويمكن حرقه، عندما تنتهي وظيفته ومفعوله. 
إذا لا يمكن للثورة السورية تجديد ذاتها دون توضيح أهدافها ودون خوض نضال جدي، ليس ضد النظام، فقط بل ضد المعارضة و”حكومتها المؤقتة” كذلك، فكما رفعت لافتات ضد هذه الحكومة مؤخراً في سراقب وسواها، حان الوقت كذلك كي تزاح هذه المعارضة الانتهازية والفاشلة عن ظهر الثورة والشعب السوري.
“داعش” هو وليد النظام ووليد سياسات المعارضة السورية. هذه هي الحقيقة، وليكن الكلام واضحاً بهذا الخصوص، ودون ذلك هناك استمرار لحرق الثورة وتدميرها عن بكرة أبيها. يستحق السوريون مستقبلاً أفضل، كما يستحق العراقيون مستقبلاً مختلفاً، ودولة لكل الشعب. 
تآزر الثورتين في سوريا والعراق صار ضرورة لمواجهة المشروع الأمريكي والإيراني، الساعي إلى تدمير الثورات العربية واستعادة الدولة القديمة، وأمريكا ساعية إلى تمكين إيران، ومن هنا خلافها واختلافها مع السعودية، الساعية لتدمير الثورات بمعناها الشعبي خشية على نفسها، وبالتالي ثورات الشعوب لا يمكن أن تدعمها أنظمة التسلط والشمولية والإمبرياليات العالمية.
هذا الفهم هو الوحيد الذي يسمح للثورة بتجديد ذاتها وتنظيم قواها، ومواجهة أعدائها في الداخل وفي الخارج، كما على الثوار أن يقاتلوا على الأرض، فإن على بقية السياسيين الجادين والثوريين الحقيقيين العودة إلى الأرض، أو التواصل الفاعل لتنظيم الشعب الثائر ذاته. 
مقتل “داعش” والتخلص منه يكمن في تنظيم الشعب لذاته من جديد، وهذا هو الطريق الوحيد للخلاص من النظام، ومن كل حلفائه أيضاً.

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − eleven =