الآن
الرئيسية / تحقيقات / حلب.. عاصمة الاقتصاد السوري تعيش على الحوالات الخارجية

حلب.. عاصمة الاقتصاد السوري تعيش على الحوالات الخارجية

نسرين أنابلي
مع تصاعُد حدّة الأعمال العسكرية في حلب، تزداد الأحوال المعيشية لعاصمة الاقتصاد السوري سابقاً سوءاً، فخلال الأزمة الممتدة لعامين منصرمين، تكبّدت حلب خسائر بقيمة 2,5 مليار دولار، بحسب إحصائيات “المنتدى السوري للأعمال” والضرر المادي طال فئات مختلفة من الشعب.
 فالفئة المتوسّطة تحوّلت إلى فئة فقيرة، أما الفقيرة فقد باتت تحت خط الفقر، والغالبية العظمى من الحلبيين فقدوا أعمالهم وباتوا بلا مصدرٍ للرزق. فأصحاب الأموال والمعامل إما دُمِّرت مصانعُهم أو غادروا المدينة، وبالتالي تعرض آلاف العمال للبطالة، بالاضافة إلى الذين فقدوا عملهم لوجود في مناطق الاشتباكات. 
أما موظف الحكومة فبالكاد يكفيه راتبه ثمن رغيف الخبز فقط بسبب جنون الأسعار الكارثي في حلب.
ننتظر الحوالة كل شهر لنأكل
(غالية)، تعمل حلّاقة نسائية، فقدت عملها بسبب سوء الأحوال المعيشية، تتحدث عن وضعها الحالي قائلة: “منذ سنة تقريباً بدأ عملي في صالون التجميل خاصتي بالتراجع، فالناس بالكاد تستطيع الأكل، ورفاهيات الحياة أصبحت من الماضي، ورغم تخفيض أسعار الحلاقة والتزيين، إلا أن الوضع بقي على حاله، واضطررت أخيراً لاقفال الصالون نهائياً تجنباً لفواتير الماء والكهرباء التي سأدفعها دون أن يكون هناك عمل”. 
وتتابع غالية: “لولا النقود التي يرسلها أخي الموجود في السعودية لي ولأخوتي الصغار الذين أرعاهم، لكان الوضع سيِّئاً جداً، ولما وجدنا شيئاً نأكله”
(أبو يزن) صاحب ورشة لتصنيع الموبيليا والمفروشات، ضاقت به الظروف كثيراً بسبب موجة الكساد والتقهقر الاقتصادي التي تعصف بحلب. يتحدث (أبو يزن) عن تغير حياته ووضعه المعيشي قائلاً: “كانت الأمور قبل الأزمة على أحسن ما يرام، أما الآن فقد توقّف العمل لأسباب عدة، منها فقدان المواد الأولية التي نعمل بها، لكن السبب الأهم هو أن سوق الموبيليا والمفروشات لم يعد يلقى رواجاً، فمن سيقوم بشراء عفش جديد لمنزله في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية المأساوية؟ وحتى إذا وُجدَ شخص يملك المال للشراء، فهل من ضامن بأن لا يتحطم بيته وأثاثه أيضاً بقذيفة ما”؟
ويضيف (أبو يزن) بحسرة: “أنا أب لخمسة أطفال، وكلُّهم بحاجة للطعام والثياب، والأمور تسير من سيّئ إلى أسوأ يوماً بعد يوم، وهذا ما دفع أخي في اليونان لإرسال النقود لي كل شهر تقريباً كي أستطيع أن أطعم أولادي.
 في الواقع لست ممتناً لوضعي هذا ولكنه واقعٌ مرٌّ فُرض علي ولا أجد سبيلاً للخلاص منه”.
طوابير أمام مكاتب التحويل.. وتلاعب بالأموال
ليس غريباً في حلب أن ترى عشرات الناس المتجمعين أمام أحد مكاتب الحوالات بانتظار دورهم، حالهم في ذلك كحال من يقف على دور الخبز أو المياه، حيث باتت الأموال المرسلة من الخارج مصدر رزق غالبية الحلبيين حالياً. إنه ألم جديد يعاني منه الحلبيون أمام مكاتب التحويل، فأنت تحتاج إلى يوم كامل أو أكثر لاستلام حوالة لا تتجاوز في الغالب الـ 200 دولار، حيث يقف المواطنون بصفوف طويلة أمام أبواب الشركة بفروعها الثلاثة في المدينة بانتظار دور ربما يحالفهم الحظ بوصوله إليهم، قبل إغلاق أبواب الشركة، أو يضيع انتظارهم سدىً في كثير من الأحيان، وليعودوا أدراجهم على أمل أن يحظوا بفرصة قبض حوالتهم في اليوم التالي.
وبينما يقفز الدولار في السوق السوداء متجاوزاً سعر الصرف الذي حدده البنك المركزي، يصمد سعر الدولار في مكاتب التحويل عند سعر معين، فيصرف للمواطنين بهذا السعر، كما يمنع أن تخرج من المركز، وأنت تحمل أية عملة أجنبية، حتى وإن كانت الحوالة قد وصلت بهذه العملة، فالتصريف يتم عن طريق الشركة حصراً، على مبدأ المثل القائل “أهلية بمحلية”، في عملية نصب واضحة على المواطن، الذي لا يجد أمامه سبيلاً سوى الرضا بما يتم دفعه له، في سبيل تأمين لقمة العيش.
يُفاجأ عدد كبير من المواطنين بعدم قبول موظفي الشركة صرف الحوالة لهم بعد طول انتظار، إذ تكون حجة الموظف أن تعليماتٍ أتته لتوها بعدم صرف الحوالات بسبب انخفاض سعر السوق، وأن على العميل الانتظار ريثما يسمح له من قبل من يسميهم “جهات عليا”، ومع هذه الجملة ينتهي الحديث بإغلاق النافذة بين الموظف والمواطن حتى إشعار آخر. 
والحجج المبتدعة لعدم تسليم الحوالات كثيرة، منها؛ عدم وجود شبكة انترنت في المكتب رغم توافر الانترنت حالياً في حلب، ومن الممكن أن يبقى المواطن أسبوعاً كاملاً يتردّد على مكتب التحويل لاستلام حوالته. 
وعدا عن الاحتيال الواضح، هناك عدم مراعاة لظروف العملاء الإنسانية، فبعضهم يأتي من المناطق “المحررة” إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام من أجل استلام نقوده، وهذا الأمر سيكلفه المرور على عدد كبير من الحواجز التي قطّعت أوصال المدينة، بينما البعض الآخر لا يملك أية نقود لشراء الطعام لعائلته لأن الحوالة هي مصدر رزقه الوحيد حالياً، وسبيله الوحيد للبقاء على قيد الحياة هو وعائلته.
(أم أيمن) هي واحدة من ضحايا جشع مكاتب الحوالات في حلب. تشرح معاناتها في كل مرة تستلم فيها الحوالة قائلة: “في كل مرة أذهب لاستلام حوالتي يقولون لي عودي غداً ولأسباب واهية، إما لا يوجد انترنت أو الكهرباء مقطوعة، رغم وجود مولدة كهربائية أمام المكتب وتوافر البنزين حالياً مقارنة بالفترة السابقة. هم لا يقدّرون كم تعني تلك النقود لنا، فهي ليست للرفاهية، وإنما القشة التي نتعلق بها لنتغلب على صعوبات المعيشة وبؤسها”.
أما (أبو فادي) فأراد أن يريح نفسه من عناء الذهاب والاياب دون جدوى، فلجأ إلى طريقة أخرى، ويشرح، “في السابق كنت أذهب يومياً وأعود خائباً دون أموالي، فأصبحت مؤخراً ألجأ للاتصال بهم يومياً لسؤالهم فيما إذا تم الافراج عن الأموال، وإن كان بمقدروي استلامها، ولكن حتى هذه الطريقة غير مجدية كثيراً فهم غالباً لا يجيبون على الهاتف، بالتالي إما أن أجلس لوقت طويل وأنا أعاود الاتصال بهم، وإما أن استسلم للأمر الواقع وأذهب للمكتب”.
يتاجرون بمال البسطاء
أحد موظفي مكتب تواصل للحوالات في حي السليمانية بحلب صرح على مسؤوليته بكم التلاعب والغش الذي يجنيه المكتب من الحوالات قائلاً: “عندما يرتفع سعر الدولار نُطالب بعدم تسليم الحوالات لكي لا يخسر المكتب فرق العملة نتيجة هذا الارتفاع، ونقوم بعدها بصرف الحوالات حسب السعر الذي يحدده صاحب المكتب الذي يدّعي بدوره بأنه سعر المصرف المركزي، وهذه العملية تجعل صاحب المكتب يربح في كل 1000 دولار 50000 ليرة سورية دون أي جهد أو عناء”.
ورغم معرفة المصرف المركزي بهذه التجاوزات، إلا أنه لم يقم بأي اجراء للحدّ من هذه الممارسات الجشعة، وذلك تزامناً مع ادّعاء الإعلام السوري لأكثر من مرة أن الجهات المختصة قامت بإغلاق العديد من المكاتب التي تتلاعب بالأموال، حيث قاموا بإغلاق مكتب صغير فقط، تاركين الشركات الكبيرة تسرح وتمرح على مزاجها.
 ببساطة لا يريد مدير المصرف المركزي أديب ميالة محاسبة شركات (تواصل وحنيفة وأبو عقدة) وغيرها ممن يتاجرون برزق الناس، وكأنه يريد فقط محاسبة المواطن السوري واتهامه بأنه من أهم اللاعبين والمضاربين في السوق، وهو لا يدري أن الأخير لا يريد احتكار الدولار والمتاجرة به، وإنما فقط يريد أن يطعم أطفاله بهذه النقود.
يبدو أن المواطن السوري لا يملك إلا أن يرضخ لاحتيال هذه الشركات المدعومة من النظام، فلم يبق غيرها حالياً بعد أن أغلقت الحكومة شركات الحوالات الخارجية كافة، فهذا هو واقع الحال في سوريا، إما أن ترضخ للفساد، أو تموت من الجوع.  

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

6 + 18 =