الآن
الرئيسية / ثقافة / ثقب الخلافة الأسود

ثقب الخلافة الأسود

أحمد العربي

تُشغل دولة الإسلام في
العراق والشام، أو ما تسم
ّى “داعش” ببقائها وتمدّدها الشارع السياسي
العربي والإقليمي، وبدرجة أقل العالمي بساسته ومحلليه وصحافته، ناهيك عن مراكز
الدراسات التي تعمل ليل نهار، وجميعهم يلهث وراء تفسير لهذه الظاهرة، محاولاً فهمها
وتحليلها وكأنها طارئة جديدة، وليست نتيجة حتمية لجملة أوضاع تفاقمت عبر عقود من
الزمن، بدأت منذ سقوط الخلافة الإسلامية على يد “أتاتورك” في 23 آذار
1924 والتي شكّلت صاعقةً ضربت الضمير الشعبي للمسلمين وخاصة في العالم العربي.

تلك الهزة التي أنتجت “الإسلام
السياسي” متمثلاً بجماعة الإخوان المسلمين 1928 والتي هدفت لاستعادة الخلافة
الضائعة، والنخب العربية التي توجهت في تلك الفترة إلى أوروبا لتلقّي العلم، فلم يصل وعيُها إلى مستوى الحدث والتغيير الذي
تم. فمالوا إلى استيراد شكل الدولة الأوروبية بكلِّ تفاصيله، قافزين فوق الاختلافات
الجوهرية التي تميّز المجتمعات العربية عن تلك الدول. فما كان إلا أن حدث شرخ فكري
في المجتمع بين إسلاميين يمتلكون القاعدة الشعبية الأكبر، ويركّزون عليها،
وتغريبيين زادت ممارساتهم النخبوية في ابتعادهم عن تلك القاعدة، فعاشوا في شبه جزر
معزولة عن المجتمع، وتركوه للتيارات الدينية.

لم يظهر الخلاف بين
التيارين بشدة خلال عهد الانتدابات الأجنبية بسبب التوحُّد على هدف التحرير، لكن
ما لبث أن اشتد مع بدايات تشكُّل الدول الوطنية، تلك التي ما انفكت تلعب بالطرفين
تبعاً لمصالحها، تارة بذبح الإسلاميين بسكين تضع عليها بصمات التقدميين، وتارة
بالعكس.

ومع وصول القوميين إلى
السلطة في أغلب الدول العربية، وتحوُّل تلك الدول إلى دكتاتوريات، وانحسار اليسار
نتيجة القمع وانهيار الاتحاد السوفييتي، انتهى تقريباً زمن الأحزاب في الوطن
العربي. إذ بقيت بعض الأحزاب بشكل ديكوري يخفف قبح الأنظمة. فبدأت مرحلة من الفراغ
الفكري والسياسي لم يملؤه بالنسبة للشباب العربي من مواليد السبعينيات والثمانينيات
إلا الإسلام السياسي. الذي ساهمت حالات الجهل، التخلف، الفساد، القمع التي خلقتها
الأنظمة في إعطائه الحجة بأن “الإسلام هو الحل”. مستغلين التاريخ ليقدّموا
نماذجَ براقةً عن دولة العدل والمساواة المتمثلة بالخلافة.

اللعب في النار

لم تتّعِضِ الأنظمةُ العربيةُ من تجربة اللعب
بالتيارات الإسلامية التي جرّبها أنور السادات لقمع اليساريين في مصر، والتي كان
نتيجتها اغتياله على أيدي الإسلاميين الذين دعمهم. فما لبثت السعودية ودول الخليج
أن أعادت التجربة، نزولاً عند رغبة الأمريكيين، لضرب الاتحاد السوفييتي في
أفغانستان. فخلقت تيارات أشد خطورة، غذتها ودربتها ثم أرسلتها إلى أفغانستان،
لتتبلور نظريات تكفيرية جديدة انبثقت عنها جماعات شديدة الخطورة ومعادية للمجتمعات
الإسلامية بالدرجة الأولى، تلك التي اكتوت السعودية بنارها التي ساهمت بإذكائها. ومع
إعلان تلك الحركات أهدافها وتكفيرها للأنظمة العربية، حاولت تلك الأنظمة اختراقها
ودعمها، واكتفاء شرّها، ولتكون مبرراً للممارسات القمعية على شعوبها أمام الغرب.

لعبت سوريا، العراق، السودان بنار التنظيمات
الجهادية، ممثلة ” بتنظيم القاعدة” وفروعه، إضافة إلى السماح للتيار
السلفي بالانتشار في الدول العربية، وخاصة سوريا في السنوات العشر الأخيرة. إضافة
للحرب الباردة بين السعودية وإيران التي اتخذت الطائفية شكلاً لها، والدعاية
الطائفية وسيلة، مما أدى إلى حالة من الغليان السنِّي في المنطقة ضد إيران
والمليشيات الشيعية الموالية لها في الدول العربية، والتي لا تقل إرهاباً وطائفية
عن القاعدة. هذه المليشيات الشيعية تتجه اليوم بتكتيكات هادئة نحو خلق دولة ضمن
الدولة. تخدم الإستراتيجية الكبرى في إقامة خلافة شيعية في إيران. كل تلك العوامل مثلت
ناراً تحت الرماد في المنطقة، نفخت رياح الربيع العربي ذلك الرماد لتستعر نار
التنظيمات الإسلامية في جميع دول الربيع. ولا مسؤولية للشباب العربي الطامح إلى
إحداث تغيير ديمقراطي واللحاق بركب التطور والحضارة، البعيد كل البعد عن أي
ايديولوجيا وبخاصة الإسلامية. ولكن هشاشة تلك الأنظمة التي ضربها إعصار الربيع
العربي، وضعف الدولة، وغياب نخب سياسية وثقافية حقيقية، أسهم في إنتاج حالة من
الفوضى تتغذى عليها تلك الجماعات التي
تصنف أساساً ضمن الجماعات الفوضوية (الاناركي ) التي
توجد في أية دولة تضعف سلطتها كما تحرص على تعطيل أية سلطة بديلة في الدولة، فهي
تهدف للحفاظ على حالة الفوضى.

الجناح السوري الإيراني

ضمن الحال في سوريا..، لا يسعنا
إنكار دخول بعض عناصر القاعدة لنصرة الشعب السوري نظرياً. وهم من شكلوا “جبهة
النصرة” التي هددت النظام، وتركزت عملياتها ضده فقط. حيث لم تصطدم مع أي فصيل
من الفصائل السورية المقاتلة، ولم تفرض أحكام الشريعة على الأهالي في المناطق التي
تسيطر عليها. لا بل رفضت ممارسات “داعش”، وحاربتها واتهمتها بالمغالاة.
الأمر الذي يدل على
أن “داعش” ما هي إلا الجناح السوري الإيراني من
تنظيم القاعدة والذي تم إعداده وتدريبه برعاية مخابرات البلدين في العراق، وتم
استدعاؤه خلال الأزمة لنجدة النظام واختراق المناطق المحررة من الداخل. مثله مثل
المليشيات الشيعية التي جاءت نصرة للنظام، والجناح السوري في حزب العمال الكردستاني
المتمثل بحزب الاتحاد الديمقراطي بقيادة صالح مسلم الذي قمع الثورة والناشطين في
المناطق الكردية، وتولى إدارتها برسم الأمانة للنظام. وما يدلُّ على ذلك أن داعش
تولت المناطق السورية الشرقية الغنية بالنفط لمنع استفادة الثوار من هذا الموارد،
ومن ثم إعادته للنظام، ناهيك عن عمليات اعتقال وتصفية القادة العسكريين والناشطين
في المناطق التي تدخلها وإنهاء فصائل المعارضة المسلحة هناك، في خطوة تمهيدية
لإعادتها للنظام. إضافة أن تحركها في العراق يعود لنفس الأسباب المتمثلة في
السيطرة على الحراك السني، وإلصاق تهمة الإرهاب به. وتوحيد الصف الشيعي أمام
تهديدات “داعش”، بالسعي لدخول النجف وكربلاء. والقضاء على أي صوت شيعي
معارض للمالكي. ولا يعتقد أحد أن هذه اللعبة خافية على دول الإقليم والعالم. لكن
تلاقت مصالحها في التخلص من الجهاديين على أراضيها دفعة واحدة وبلا عودة، الأمر
الذي عجزت عنه لعشر سنوات من مكافحة الإرهاب مع مصلحة إيران في بقاء بشار والمالكي.
هذان اللذان خلقا “ثقباً أسودَ” يمتص جهاديي العالم. وما إعلان الخلافة
إلا وسيلة إغراء للجهاديين المقاتلين في كل دول العالم، وحتى الخلايا النائمة منهم،
ومن يناصر هذا الفكر وإن لم يحمل السلاح.

إن شهوة جذب الجهاديين بدت
واضحة جداً في برامج الترويج السياحي التي تقوم بها “داعش” لزيارة
مناطقها وحملات التعبئة التي تطلقها. الأمر الذي شكل سابقة لم يرتكبها حتى أسامة
بن لادن وطالبان حين أقاموا دولتهم في أفغانستان. لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك
إيران ونظاما الأسد والمالكي القدرة على إطفاء الحريق الذي أشعلوه؟. وهما من دمّرا
بلدين، وقتلا الآلاف من الناس حفاظاً على الكرسي. فهل يفترضان أن الخليفة سيتخلى
عن كرسيه امتثالاً لأوامرهما بسهولة؟ أم سيتفوّق التلميذ على أستاذه إذا تمكّن؟.

شاهد أيضاً

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

الموسيقى العربية من العصر الجاهلي إلى التكنو الحديث في باريس

يجول معرض في باريس على تاريخ الموسيقى العربية في عهودها المختلفة، من الحداء في الجاهلية …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

three × 3 =