الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / تركيا.. وسياسة التّوقُّعات الخاطئة تجاه سوريا

تركيا.. وسياسة التّوقُّعات الخاطئة تجاه سوريا

نسرين أنابلي

قبل
بداية الثورة السورية، كانت سوريا من أوائل الدول التي طبقت عليها تركيا سياسة “فتح
صفحة جديدة”. فبعد سنوات من التوتّر، بدأت أنقرة ودمشق عملية تقارب أدّت إلى
عقد اجتماعات مشتركة بين حكومتي البلدين، ووضع خطط طموحة لإقامة سوق شرق أوسطية
مشتركة، يكون البَلَدان رأس حربتها.

وعلى
الرغم من الانتقادات التي وجهها إليها حلفاؤها الغربيون، دافعت تركيا عن هذه
السياسة بالقول: إن “مشاركتها مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد كانت تهدف
إلى الحدّ من اعتماد دمشق على طهران”.

عمد
صُنَّاع السياسة التركية إلى مزيد من التأثير على الأسد ونظامه لتعزيز سياستهم. إذ
توسّطت أنقرة في عقد جولات عدة من المحادثات بين سوريا وإسرائيل قرّبت الطرفين على
ما يبدو من التوصُّل إلى اتفاق دائم بينهما.

وعندما
وصل قطار الربيع العربي إلى سوريا، اعتقدت تركيا أنها قادرة، بكل بساطة، على إقناع
الأسد بالإصلاح. ووجّه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أكثر من نداء للأسد، بالإضافة
لعدة زيارات قام بها وزير خارجيته أحمد داوود أوغلو للمساعدة في وضع برنامج سياسي
إصلاحي للحكومة السورية.

لكن
الصدمة الكبرى كانت بتجاهُل دمشق لطلب أنقرة، بل أكثر من ذلك، أوغل النظام السوري في
استخدام العنف والقوة الساحقة ضد المتظاهرين، قاطعاً بذلك كلِّ خيوط الودِّ بينه
وبين الحكومة التركية.

عكس
هذا التراجُع المفاجئ تحوّلاً جوهرياً في السياسة الخارجية التركية. فعلى مدى
سنوات كانت أنقرة تمثّل قوة الأمر الواقع في المنطقة، وتحترم سيادة الدول المجاورة،
وتحجم عن الانحياز إلى المواقف ذات الطبيعة التدخّلية لشركائها الغربيين.
وقد أدى هذا التوجّه أيضاً إلى
معارضة أنقرة في البداية تدخّل حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ليبيا في العام 2011.

ومع
ذلك، بعد وقت قصير ممّا حدث في ليبيا، غيّرت الحكومة التركية “موقفها الثابت”
هذا، واعتمدت، دون إجراء الكثير من النقاش الداخلي، موقفاً أكثر هجومية وتدخّلاً. وتمثّل
الأساس الاستراتيجي لهذا التحوّل، في هدف تركيا المكتشف حديثاً بطرح نفسها
باعتبارها الدولة الإقليمية المسلمة المدافعة عن التحوّل الديمقراطي في العالم
العربي.

بالإضافة
إلى أن تغيير السياسة التركية كان مبنياً على افتراضات خاطئة بحتمية سقوط نظام
الأسد كما حدث في الأنظمة التي سقطت في كل من تونس ومصر وليبيا، وتوقعت تركيا أن جماعة
“الأخوان المسلمين” هي من ستحكم سوريا بعد سقوط الأسد، الأمر الذي يسهل
فتح المجال أكثر لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بتوسيع نفوذه في سوريا.
لكن الأهم من ذلك كله هو عدم قدرة أنقرة على استقراء وفهم الموقف الدولي الحقيقي
من القضية السورية المتمثل في عدم الرغبة بالتدخل المباشر.

وبغية
تحقيق هدفها المتمثّل في تغيير النظام، اعتمدت أنقرة مقاربةً ذات مسار مزدوج
تتمثّل في زيادة العزلة الدولية للنظام السوري، في الوقت الذي تقدّم فيه يدّ العون
إلى المعارضة المدنية السورية، ومن ثم العسكرية في نهاية المطاف.

في
البداية دعت تركيا مجلس الأمن الدولي إلى دعم قرار يقضي بالتدّخل في سوريا لأسباب “إنسانية”،
وناشدت واشنطن في وقت لاحق إقامة منطقة حظر طيران في شمال البلاد، من شأنه توفير
الحماية لقوات المعارضة، لكن لم تتم الاستجابة لأيٍّ من هذين الاقتراحين.

في
الوقت نفسه، نشطت تركيا في الجهود الرامية إلى تعزيز فعّالية المعارضة السورية، فبدأت
باستضافة “المجلس الوطني السوري”، الدعامة المدنية للمعارضة، بالإضافة
إلى “الجيش السوري الحر”، ثم زادت تركيا تدريجياً دعمها للمعارضة
العسكرية، وأعلنت سياسة الباب المفتوح تجاه اللاجئين السوريين.
بيد أن الوضع لم ينجح على النحو
الذي كانت تأمله تركيا، فقد أثبت نظام الأسد أنه أكثر مرونة وقدرة على الصمود ممّا
توقعت أنقرة أو الحكومات الغربية، ممّا تسبب في توسع الأزمة الإنسانية في سوريا
إلى خارج حدودها.

وتستضيف
تركيا حالياً ما يقارب من مليون لاجئ سوري، منهم حوالي 200 ألف في مخيمات
اللاجئين. وعدا عن الأعباء المادية الكبيرة التي تكبدتها تركيا، فإن المشكلة
الأكبر تتمثل في أنَّ العدد الكبير من السوريين الذين تستضيفهم، والذين ليست لديهم
فرصة حقيقية للعودة إلى بلدهم، بدأ يخلق توتّرات اجتماعية بينهم وبين المواطنين
الأتراك ولاسيما من الطائفة العلوية، وليست لدى الحكومة التركية، حتى الآن، خطة
متوسطة أو طويلة الأجل لدمج هؤلاء اللاجئين في المجتمع التركي.

أثبتت
السنوات الثلاثُ من عمر الثورة قصر نظر السياسة التركية في معالجة القضية السورية،
وتسرعها المبني على افتراضات أصغر من الحجم الحقيقي للمشكلة. والواقع أن تركيا
تواجه تحدّياً كبيراً يتمثّل في إعادة ضبط توقعاتها وسياستها تجاه سوريا، في
مواجهة “صمود النظام” السوري و”تعافي” الأسد التدريجي من تآكل
شرعيته الدولية.

شاهد أيضاً

“اتحاد علماء المسلمين” يطالب المجتمع الدولي بوقف معاناة المدنيين في درعا

طالب “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” المجتمع الدولي، بإيجاد حلٍ لما يحدث في درعا، مُعرباً عن …

باحث إسرائيلي: إسرائيل لن تسمح بإسقاط نظام الأسد

كشف باحث إسرائيلي، أن بلاده لن تسمح بإسقاط نظام الأسد كونه يحمي حدودها منذ عام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − 2 =