الآن
الرئيسية / منوعات / بيت ستي …

بيت ستي …

استيقظت
اليوم على صوت الحمامات أمام نافذتي ..، وعدت إلى الماضي أعواماً خلت، تذكرت بيت
جدي التراثي المبني من أيام الاحتلال الفرنسي بسقفه العالي وأرضيته الرخامية. قبل
عشر سنوات كنت في زيارة لبيت جدي، أحببت دوماً المبيت عندهم لما فيه من أمور مسلية،
والتلذذ بطعام جدتي، خاصة بعد زواج خالي العصبي بعروسه الشقراء شبيهة “نوال
الزغبي” في أوج شهرتها تلك الأيام، كانت غرفتها مملكتي، مليئة بالإكسسوارات
وأدوات التجميل والأشياء البراقة التي تغري أية طفلة للعب بها، كنت أحب ارتداء
ثياب نومها الحريرية القصيرة وقمصانها المُلوّنة، رغم تحفُّظات جدتي في عدم السماح
بالنوم أساساً عندها، فأنا طفلة “جئرة” كما كانت تنعتني، لا أمسك شيئاً،
إلا وينتهي أمره مكسوراً في يدي وهي التي تعتني ببيتها ونظافته عناية الأم
بصغارها، وتفوح من خزانتها رائحة طيبة كالمسك، تطوي ملابسها حتى الداخلية منها على
المسطرة. فأنا غير مناسبة للجلوس في بيتها المثالي، عدا أنها كانت تفضل شقيقتي ”
العاقلة الراكزة” السمراء ذات العينين الخضراوين عني، وتدعوها للنوم عندها،
والتي أساساً كانت تحظى بقلوب جميع أفراد العائلة، عكسي أنا القوية سليطة اللسان،
وحتى عند المبيت عندهم دائماً تحظى أختي بالنوم في حضن جدتي الدافئ، وأنا تتكسر
عظامي في سرير الطابقين، وتلتوي رقبتي أياماً من المخدة الاسمنتية، جدتي دائماً
تفضل الولد البكر، وتدلله على حساب البقية الذين كانت سليطة عليهم
.

في
إحدى المرات “تقاوت” أختي التي تكبرني بسنتين بجدتي عليّ، وأرادوا حبسي
على الكنبة وألا أتحرك بينما ينهون شطف البيت، حتى أنهم هددوني بالمقشة البنية،
حينها شعرت بالظلم وانفجرت بوجههم، ومسكت عصا الممسحة ورميتها على جدتي، ومذ تلك
الحادثة، وكل ما كانت تشعر بوخز في خاصرتها تعود وتذكرني أنني سببه
.

بعكس
جدي الذي كان في كل زيارة لبيتنا البعيد “أتسلبط” عليه ليأخذني
معه واضعة “ستي” أمام الأمر الواقع، كان “جدو” كثير الكلام
والسير في سنواته الأخيرة، جلده أسمر قاسٍ كالخشب، يبرز منه عروقه الواضحة .. ،إذ
أراد توبيخي يمسك معصمي ويشد عليه، ويزْوِرْني
بعينه التي ترجف دون أن يحس أحد. يحب الفنانات المصريات، والأفلام المصرية ..،
يملك التلفزيون مكانة خاصة في قلبه، عشقه واستمتاعه يكمن في حمل “الكباسة”
كما كان يسميها.

يمسك جهاز التحكم بيديه الاثنتين، واضعاً إصبعه
على الزر العلوي وآخر على الزر الذي يقلب المحطات للأسفل مبحراً في عالم الفضائيات
المخصصة لعرض الأفلام القديمة.

“سناكه” المفضل كان الجزر المبشور
مع السكر، وفتة الحليب فطوره اليومي على مدار الأعوام، وفاصله كوب من الماء البارد،
مرتب منظم في كل شيء، ما إن تدق الساعة الثانية عشرة ليلاً حتى يخلد إلى النوم،
ويطفئ التلفاز معه، فيجربني على النوم. ويستيقظ عند السادسة صباحاً على صوت الحمام
القادم من الشرفة المهجورة المطلة على حديقة بيتهم، ويحكي لي حكايتها كل صباح
.

كان
يعشق زوجته بجنون، ويغار عليها، ويحق له، فجدتي في صباها كانت سلطانة عصرها، بيضاء
ممتلئة بجسم ممشوق وعيون فيروزية متماهية بين الأزرق والأخضر، جميلة وقورة، قوية
كملكة يزين صدرها عقد حبيبات لؤلؤ نقية كما أسنانها . و في يوم استطعت أن أنال عطف
جدتي أخيراً، وأن تطلبني شخصياً للنوم عندها، ففي إحدى مرضاتها ومكوثها في الفراش،
كنت كل ربع ساعة، افتح الباب للطمأنة عليها وسؤالها إن كانت تريد شيئاً، وأعصر
بيدي الصغيرتين البرتقال لتأخذ دواءها معه، من تلك الحادثة كسبت قلبها وحنانها
أخيراً، لكنها لم تكن تعلم أن مبادرة السؤال كل دقيقة، وجلب العصير والماء،
كانت بطلب من جدي .. وليس مني.

رحمهما الله.

شاهد أيضاً

النظام يقرّر إزالة 90% من حواجز دمشق

يعتزم النظام السوري، إزالة معظم الحواجز العسكرية والأمنية داخل العاصمة السورية دمشق وفي محيطها، وذلك …

النظام يعد بتسريع الأنترنت “أربع أضعاف”

وعد النظام السوري، بزيادة سرعة شبكة الانترنت في سوريا، بمعدّل أربع أضعاف زيادةً عن السرعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − 12 =