الآن
الرئيسية / رأي / بلدان جديدة لشعوب قديمة!

بلدان جديدة لشعوب قديمة!

عمر قدور 
من باب التعسف يُنسب لداعش تحطيم حدود سايكس بيكو والتشجيع على تخيل خرائط جديدة للمنطقة. ألحق أن الخرائط المصدَّرة من مراكز أبحاث غربية قد سبقت بروز داعش، وسبقت أيضاً التطورات الأخيرة في العراق، الأمر الذي قد يشجع أصحاب نظرية المؤامرة على القول بأن مخططاً ما كان مبيّتاً لإعادة تقسيم المنطقة. لكن تلك الخرائط، المختلفة في ما بينها، يبدو أنها رُسمت على عجل، وبغية تخيّل حلّ نهائي للصراعات المحلية بوصفها صراعات ذات طبيعة بنيوية مزمنة، أي أنها ليست صراعات سياسية بل هي صراعات دينية أو إثنية تقع في صميم معتقدات شعوب المنطقة بحيث لا ينفع معها سوى التحاجز التام.
قبل انتشار هذه الخرائط، لم تكن الشعوب المعنية تعبّر عن تطلعاتها على هذا النحو. الآن أصبح للخرائط الجديدة بعض الزبائن المحليين، وهو أمر إما أنه يدلل على عدم قدرة الشعوب على اقتراح الحلول المناسبة، أو على انتظار البعض اقتراحات المركز الغربي واعتبارها إستراتيجية ينبغي اللحاق بها فوراً. الغائب المشترك في الاحتمالين هو حق الشعوب في تقرير ما تريد خارج الضغوط والإكراهات، حيث لا يُنتظر أن يُعاد رسم الخرائط بسلاسة، أو من دون هدر دماء جديدة، إلا بافتراض إجبار الجميع على قبول الأمر الواقع، وتوكيل تنفيذه لنخب عسكرية وأمنية محلية مؤمنة تماماً بعدالة التقسيم الجديد.
خارج الاحتمال الأخير، لا أحد بوسعه الجزم بأن إعادة تقسيم المنطقة ستنهي دورة العنف الحالية، إلا إذا كان الهدف هو تحويل شكل الصراع من حروب أهلية داخلية إلى حروب خارجية إقليمية. أيضاً سيبدو ضرباً من الخيال النظر إلى الدول الجديدة كمجموعات بشرية منسجمة تنتظم مباشرة في الدولة العتيدة، فقط على خلفية الانتماء المذهبي أو الإثني. أي أن الدول الجديدة ستخلو من الاحتراب، وكأن المشكلة لم تكن أساساً في النمط الاستبدادي المعمّم على شعوب المنطقة، والمولِّد بطبيعته للعنف والإرهاب. الدولة القومية أو المذهبية لم تمنع الصراع السياسي يوماً، ولا يجوز أن تفعل ذلك، وفي أغلب التجارب لم تكن دولة الانصهار هذه سوى قوة قسر وإخضاع، فهي دولة الجماعة على حساب حريات أفرادها، بل يمكن القول بأن الانتقال إلى الدولة الحديثة أتى عندما قطعت الدول مع ماضيها القومي وتحوّل الأخير إلى محض إرث رمزي.
الآن ثمة من يقول بأن حدود سايكس بيكو كانت تعسفية، وهو القول نفسه الذي واظب على تكراره القوميون، إلا أن إثبات قدرة الحدود الجديدة على الاستمرار مجازفة أكبر من القول السابق. الحدود الجديدة إما أن تُرسم في مطبخ دولي مشابه لما حدث قبل نحو قرن، ولا ضمانة بأن تأخذ رغبات شعوب المنطقة في الحسبان على نحو ما حدث حينها، أو أن تُرسم من خلال الحروب الإقليمية، وقد تستقر مؤقتاً بموجب موازين القوى الحالية. غير أن هذا استقرار معرّض للانهيار متى تغيرت موازين القوى. بعض التصورات الحالية يستند على أن الدول عبر التاريخ لم تكن نهائية، على ذلك لا بأس في أن تشهد المنطقة دورات من التغييرات الجيوسياسية الشاملة. هذه المقولات تتجاهل أن قيام الدول كان دائماً على نيّة الديمومة، وإذا كانت الحدود الحالية غير مقدسة أسوة بالحدود الغابرة والجديدة المقترحة فما الذي سيشجع الناس على الانخراط في مشروع الدولة القادمة؟
لعلّ ما يجمع المتحمسين لتغيير خريطة المنطقة، بخاصة تغييرها على هذا النحو الاعتباطي، هو تجاهلهم للمشاكل الحقيقية التي عانت منها الشعوب طوال ما يقارب القرن، وهكذا ينصرف الاهتمام إلى الحدود بدل تفحص ما كان يجري ضمنها. ولئن كانت انتفاضات “الربيع العربي” السبب في فتح هذا الباب، فهي لم تنطلق احتجاجاً على الحدود الحالية، وكانت مطالبها داخلية بحتة، حتى أن الكثير من خلافات السياسة الخارجية المزمنة لم تكن في قائمة أولوياتها. ولئن كانت الثورة السورية تحديداً هي التي فجّرت هذا الباب في المشرق فهي لم تنطلق لإحياء “المسألة الشرقية” كما يصورها البعض اليوم، أما المظهر الطائفي للصراع السوري فهو تعبير عن الأزمة الحادة الحالية، وهي أزمة امتدت إلى الوعي من دون المخاطرة بالقول إن وعي الأزمة سيكون مستداماً، لأن افتراض ديمومته يعني توريث الصراع لأجيال قادمة في حيز جغرافي لا يقبل القسمة بالسهولة المتخيلة.
تغيير الجغرافيا السياسية لن يغيّر من الجغرافيا ذاتها، ولن يغيّر من الشعوب المقيمة فيها، مثلما لن يغير من الصراع على الثروات ومحاولة الاستحواذ عليها من قبل الفئات الأقوى اجتماعياً، أي لن يغيّر من مفهوم الغلبة الذي يحكم علاقات المنطقة حتى الآن. هنا يحضر المثال المؤلم عن الملايين من كافة المذاهب والإثنيات، الملايين التي هاجرت إلى الغرب توسّلاً لحياة كريمة على المستويين الاقتصادي والسياسي، بما فيها الآلاف التي تخاطر بحياتها حتى الآن في مسالك الهجرة غير الشرعية. هؤلاء لم يهاجروا لأن أحلامهم في إمبراطورية قومية أو مذهبية قد خابت. ببساطة، لا يكترث الناس بمن يحكمهم، ولا يعيشون على الأيديولوجيات، أو على اتساع الحدود أو ضيقها. المغلوبون على أمرهم ربما هم أقرب الناس، بفطرتهم ومتطلباتها، لما تعنيه الدولة الحديثة.  
نقلا عن جريدة المدن الالكترونية

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

الرئيسية / رأي / بلدان جديدة لشعوب قديمة!

بلدان جديدة لشعوب قديمة!

عمر قدور 
من باب التعسف يُنسب لداعش تحطيم حدود سايكس بيكو والتشجيع على تخيل خرائط جديدة للمنطقة. ألحق أن الخرائط المصدَّرة من مراكز أبحاث غربية قد سبقت بروز داعش، وسبقت أيضاً التطورات الأخيرة في العراق، الأمر الذي قد يشجع أصحاب نظرية المؤامرة على القول بأن مخططاً ما كان مبيّتاً لإعادة تقسيم المنطقة. لكن تلك الخرائط، المختلفة في ما بينها، يبدو أنها رُسمت على عجل، وبغية تخيّل حلّ نهائي للصراعات المحلية بوصفها صراعات ذات طبيعة بنيوية مزمنة، أي أنها ليست صراعات سياسية بل هي صراعات دينية أو إثنية تقع في صميم معتقدات شعوب المنطقة بحيث لا ينفع معها سوى التحاجز التام.
قبل انتشار هذه الخرائط، لم تكن الشعوب المعنية تعبّر عن تطلعاتها على هذا النحو. الآن أصبح للخرائط الجديدة بعض الزبائن المحليين، وهو أمر إما أنه يدلل على عدم قدرة الشعوب على اقتراح الحلول المناسبة، أو على انتظار البعض اقتراحات المركز الغربي واعتبارها إستراتيجية ينبغي اللحاق بها فوراً. الغائب المشترك في الاحتمالين هو حق الشعوب في تقرير ما تريد خارج الضغوط والإكراهات، حيث لا يُنتظر أن يُعاد رسم الخرائط بسلاسة، أو من دون هدر دماء جديدة، إلا بافتراض إجبار الجميع على قبول الأمر الواقع، وتوكيل تنفيذه لنخب عسكرية وأمنية محلية مؤمنة تماماً بعدالة التقسيم الجديد.
خارج الاحتمال الأخير، لا أحد بوسعه الجزم بأن إعادة تقسيم المنطقة ستنهي دورة العنف الحالية، إلا إذا كان الهدف هو تحويل شكل الصراع من حروب أهلية داخلية إلى حروب خارجية إقليمية. أيضاً سيبدو ضرباً من الخيال النظر إلى الدول الجديدة كمجموعات بشرية منسجمة تنتظم مباشرة في الدولة العتيدة، فقط على خلفية الانتماء المذهبي أو الإثني. أي أن الدول الجديدة ستخلو من الاحتراب، وكأن المشكلة لم تكن أساساً في النمط الاستبدادي المعمّم على شعوب المنطقة، والمولِّد بطبيعته للعنف والإرهاب. الدولة القومية أو المذهبية لم تمنع الصراع السياسي يوماً، ولا يجوز أن تفعل ذلك، وفي أغلب التجارب لم تكن دولة الانصهار هذه سوى قوة قسر وإخضاع، فهي دولة الجماعة على حساب حريات أفرادها، بل يمكن القول بأن الانتقال إلى الدولة الحديثة أتى عندما قطعت الدول مع ماضيها القومي وتحوّل الأخير إلى محض إرث رمزي.
الآن ثمة من يقول بأن حدود سايكس بيكو كانت تعسفية، وهو القول نفسه الذي واظب على تكراره القوميون، إلا أن إثبات قدرة الحدود الجديدة على الاستمرار مجازفة أكبر من القول السابق. الحدود الجديدة إما أن تُرسم في مطبخ دولي مشابه لما حدث قبل نحو قرن، ولا ضمانة بأن تأخذ رغبات شعوب المنطقة في الحسبان على نحو ما حدث حينها، أو أن تُرسم من خلال الحروب الإقليمية، وقد تستقر مؤقتاً بموجب موازين القوى الحالية. غير أن هذا استقرار معرّض للانهيار متى تغيرت موازين القوى. بعض التصورات الحالية يستند على أن الدول عبر التاريخ لم تكن نهائية، على ذلك لا بأس في أن تشهد المنطقة دورات من التغييرات الجيوسياسية الشاملة. هذه المقولات تتجاهل أن قيام الدول كان دائماً على نيّة الديمومة، وإذا كانت الحدود الحالية غير مقدسة أسوة بالحدود الغابرة والجديدة المقترحة فما الذي سيشجع الناس على الانخراط في مشروع الدولة القادمة؟
لعلّ ما يجمع المتحمسين لتغيير خريطة المنطقة، بخاصة تغييرها على هذا النحو الاعتباطي، هو تجاهلهم للمشاكل الحقيقية التي عانت منها الشعوب طوال ما يقارب القرن، وهكذا ينصرف الاهتمام إلى الحدود بدل تفحص ما كان يجري ضمنها. ولئن كانت انتفاضات “الربيع العربي” السبب في فتح هذا الباب، فهي لم تنطلق احتجاجاً على الحدود الحالية، وكانت مطالبها داخلية بحتة، حتى أن الكثير من خلافات السياسة الخارجية المزمنة لم تكن في قائمة أولوياتها. ولئن كانت الثورة السورية تحديداً هي التي فجّرت هذا الباب في المشرق فهي لم تنطلق لإحياء “المسألة الشرقية” كما يصورها البعض اليوم، أما المظهر الطائفي للصراع السوري فهو تعبير عن الأزمة الحادة الحالية، وهي أزمة امتدت إلى الوعي من دون المخاطرة بالقول إن وعي الأزمة سيكون مستداماً، لأن افتراض ديمومته يعني توريث الصراع لأجيال قادمة في حيز جغرافي لا يقبل القسمة بالسهولة المتخيلة.
تغيير الجغرافيا السياسية لن يغيّر من الجغرافيا ذاتها، ولن يغيّر من الشعوب المقيمة فيها، مثلما لن يغير من الصراع على الثروات ومحاولة الاستحواذ عليها من قبل الفئات الأقوى اجتماعياً، أي لن يغيّر من مفهوم الغلبة الذي يحكم علاقات المنطقة حتى الآن. هنا يحضر المثال المؤلم عن الملايين من كافة المذاهب والإثنيات، الملايين التي هاجرت إلى الغرب توسّلاً لحياة كريمة على المستويين الاقتصادي والسياسي، بما فيها الآلاف التي تخاطر بحياتها حتى الآن في مسالك الهجرة غير الشرعية. هؤلاء لم يهاجروا لأن أحلامهم في إمبراطورية قومية أو مذهبية قد خابت. ببساطة، لا يكترث الناس بمن يحكمهم، ولا يعيشون على الأيديولوجيات، أو على اتساع الحدود أو ضيقها. المغلوبون على أمرهم ربما هم أقرب الناس، بفطرتهم ومتطلباتها، لما تعنيه الدولة الحديثة.  
نقلا عن جريدة المدن الالكترونية

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 + nine =