الآن
الرئيسية / ثقافة / “الهمروجة”.. وتصنيع المثقف

“الهمروجة”.. وتصنيع المثقف

مرهف دويدري

لعل ظاهرة “الهمروجة” منتشرة كثيراً في عالمنا
العربي، وبالتحديد في سوريا كظاهرة ألفناها على المستويات كافة
، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وبشكل خاص ثقافياً، حيث عملت المؤسسات على
مختلف الصّعد في عمليات تضخيم وبث الإشاعات
لجعل أيٍّ كان، رمزاً وطنياً وصاحب أعمال خارقة، ويندرج تحت مسمى “سوبر
مان”، ولعل هذا التكريس من أولويات مجتمعاتنا التي تقتنع أن الآخر غبي ومجتمعنا
من أذكى شعوب الأرض قاطبة!

ربما مصطلح “الشفافية” الذي أورده بشار الأسد
في خطاب تنصيبه أمام مجلس الشعب بعد التوريث، أصبح من المصطلحات التي يتكلم بها
الجميع، وإن نطقت أي شخصية دولية بهذا المصطلح، يكون قد أخذه من بشار الأسد، علماً
أنه مصطلح متداول قبل أن يكون بشار موجوداً في هذه الدنيا، وهكذا يكون القياس حيال كل الكائنات التي تصنع
لهدف ما، ربما لتكريس فكرة يريدون بثها على مراحل!

دأب النظام السوري، وعلى مدى سنوات طويلة تجاوزت الأربعين،
على تصنيع شخصيات هي بلا جذور، أو ربما هي صاحبة جذر صغير، لا يكاد يحمي أغصانه أمام
أضعف النسائم، ليصبح بفعل “الهمروجة”، هذا الصقر المنقض على فرائسه دون
هوادة، ورحيم بأتباعه بلا كلل أو ملل. فالظاهرة الخرافية “علي عقلة عرسان ”
في اتحاد الكتاب العرب بدمشق يمثل ظاهرة ذات أبعاد “همروجية”، من حيث
العمل على تسويقه كروائي كبير، أو مسرحي لا يشق له غبار، بالإضافة إلى أنه رئيس أهم
منظمة سورية تضم الكتاب والمثقفين تحت لواء هذا الجنرال الخفي، الذي استطاع أن
يحول اتحاد الكتاب إلى فرع أمني بكل ما للكلمة من معنى!

لم يتغير شيء أبداً بعد قيام الثورة السورية ضد هذا
النظام الذي يستخدم مفهوم “الهمروجة” لكسب الشارع السوري، عن طريق
الترغيب ومن ورائه الأفرع الأمنية، لمن لا يفهم بالترغيب فينتقل الموضوع مباشرة إلى
الترهيب. المعارضة السورية بكل أطيافها بدأت العمل على مفهوم “الهمروجة”
على أرضية “فلان” يمثلني و”علاّن” لا يمثلني، إذ أن التمثيل يأتي من الشارع، ومع أول انقلاب
على هذه الظواهر يخرج علينا وزير في الحكومة المؤقتة، ليتهم المواطن السوري ببيع
ذمته بعشر ليرات!

ما يحدث اليوم في صفوف معارضي النظام من المثقفين، هو
تصنيع جديد لمثقفي المصادفة ربما، أو أنهم ممن يحاولون أن يبنوا مجدهم الشخصي على أكتاف
الثورة ببعض المدائح، والجوائز الثمينة أو حتى البخسة منها، لنرى أن الانجراف القطيعي خلف هذه الظاهرة،
سواء أكان كاتباً، صحفياً، مفكراً، أو أي شيء له علاقة بالعمل الثوري، إنما يحاول
تكريس نفسه على أنه أحد حكماء الثورة الذين لا يقولون الباطل، وربما يرون في أنفسهم
أنهم “معصومون عن الخطأ”، ولعل انتشار هذه الظاهرة “الهمروجية”
هو عزف على وتر دماء الشهداء، و الأطفال المعذّبين المشرّدين، الذين أصبحوا وجبة
دسمة لهؤلاء من أجل ممارسة رياضة فتل العضلات، من خلال الكتابة عنهم، ليتبيّن أن
هذه المشاريع الكتابية “قصة – شعر – رواية – صحافة ” تعمل بشكل دؤوب على
إنتاج الذات، أو ربما إنتاج الآخر في خلط للمفردات التي يعمل عليها هذا المشروع ، لتقديم
نتاج ممجوج وغير مستساغ من القارئ. ولعل وجود مواقع تواصل اجتماعي مثل
“فيسبوك” طوّر كثيراً مراحل النفاق الثقافي، وجعل له باباً واسعاً مشرعاً
على كل أنواع المشاريع المجترّة، وإعادة تصنيعها مرة أخرى.

لم نستطع أن نخرج من عباءة الاستبداد القميء، الذي يحّول
اللاشيء إلى كل شيء، ولعل فكرة تصنيع الرموز والآلهة التي نأكلها فيما بعد مع أول
جوع، وتحطيمها مع أول خلاف في الرأي، هي من أولويات أفكارنا التي لم نستطع التخلي
عنها، وربما ستلازمنا إلى حفرة القبر المظلم!

شاهد أيضاً

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × three =