الآن
الرئيسية / ثقافة / المثقف السوري..في غياهب النسيان

المثقف السوري..في غياهب النسيان

مرهف دويدري

سعى النظام السوري منذ أربعين عاماً لتهميش المثقف
السوري الحقيقي، وإقصائه عن دوره الرئيسي كوسيط بين السلطة السياسية والمجتمع، إضافة لقيامه بتفصيل السلطة الثقافية على مقاس
حكمه بأدوار محدودة وشخصيات هزلية، كما هو الحال بالنسبة للسلطة السياسية
والدينية، هذا التهميش الذي بدأه النظام ويستمر فيه إلى اليوم تسانده
وسائل الإعلام العالمية والعربية بشكل أو بآخر، من خلال
تغييب سوريا عن المشهد الثقافي العربي والعالمي، إلا من خلال أجندات معينة مرسومة
بدقة من بعض الدول التي تعد لاعباً رئيسياً في القضية السورية.

من يتابع الشأن السوري
والثقافي منه على وجه التحديد، يلحظ إحجاماً من الإعلام العربي والعالمي عن نقل هذا
المشهد، سلباً كانت أم إيجاباً، بالرغم من العديد من المبادرات الثقافية التي
تستحق الوقوف عليها، ابتداء بالمراكز الثقافية المصغرة المنتشرة في عدة مدن تركية
والمسماة بـ”بيت قامشلو”، انتقالاً إلى “بيت العيلة” في غازي
عينتاب، و آخرها “مهرجان نهاوند” الثقافي الأول والذي اختتم فعالياته
بتاريخ 15-6-2014 في مدينة غازي عينتاب التركية، ومع ذلك لم تحظَ كلُّ هذه
الفعاليات بأي نوع من الاهتمام أو المتابعة الإعلامية، وجلُّ تغطيتها كان عبارة عن
خبر عابر في الصحف البديلة، دون أن يرقى إلى مسمى “حدث ثقافي”!.

وبالرغم من وجود ما يسمّى
بوزارة للثقافة والأسرة في الحكومة المؤقتة، إلا أنها أبعد ما تكون عن متابعة الحركة
الثقافية السورية ودعمها، فلا دوريات تصدر عن الوزارة لتعرّف بالجهود الجبارة التي
يبذلها هؤلاء المثقفون للخروج بالبلد من كثير من المستنقعات التي ينزلق إليها بفعل
تعويم السلاح والانفلات الأمني في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة؛ المثقفون
الذين راحت أصواتهم تخفت وتتلاشى فيما يتعالى صوت المدافع وآلة الحرب، الأمر الذي
آل ببلد بأكملها إلى مآلات لم يكن يتخيلها أحد.

هذا على صعيد المؤسسات
الثقافية، أما على صعيد المثقفين كأفراد، فنجد أن هؤلاء الأشخاص وبرغم تاريخهم
الإبداعي الفردي الطويل، ودورهم المحدود في رسم خارطة سوريا الثقافية، إلا أنهم
وقعوا بين فكّي كماشة، الأول هو الحاضنة الشعبية التي دفعها الانفلات الأمني الذي
تحياه سوريا إلى إطلاق العنان لغرائزها غير المضبوطة، و أبرزها غريزة القتل المتنافية
مع الخطاب الذي يتبناه المثقفون عموماً، والفك الآخر هو التهميش من مؤسسات
المعارضة.

فعلى سبيل المثال، لم تنجُ
رواية الكاتبة السورية سمر يزبك، والتي تمثل أول عمل أدبي يتناول الثورة السورية
“امرأة في تقاطع النيران” من النقد، بذريعة أن أحداثها مصطنعة وأن
الكاتبة لم ترقَ إلى توصيف الواقع، التهمة ذاتها التي نالها الروائي خالد خليفة عن
روايته “لاسكاكين في مطابخ هذه المدينة ” تلك التي حصدت جائزة نجيب محفوظ الروائية، كما رُشحت للقائمة
الطويلة لجائزة البوكر العربية، ومع ذلك فهناك من اتّهم عمله الروائي بالملل
والسذاجة، وبأنه لم يكن على سوية الحدث الذي يتناوله.

أما الروائية ابتسام تريسي
فلم تحظَ روايتُها “مدن اليمام” بالقدر الذي تستحقه من المتابعة
الإعلامية، وحين بدأت بروايتها التالية “أرض الظلال”كان نصيبها من
الاتهامات مختلفاً عن نصيب زميليها، فببساطة يخرج “نزار نيوف” ليتهمها وبكلمات نابية، أنها
قامت بسرقة مجهوده في توثيق أقدم حالة اعتقال سياسي كانت من نصيب الملازم
“فرحان الزعبي”، وقد ردّت الروائية بأنها بعد نشر الرواية سوف تدحض
الكثير من الزيف الذي ورد في روايات نزار نيوف عن الزعبي.

على الصعيد نفسه لم ينجُ
الشعراء من هذا التهميش الذي طال المواطن السوري ككل، وثقافته كجزء مهم من كيانه،
فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان يكفي أن تطالب بدولة مدنية لتجد من يطالب بقطع
رأسك أو يتّهمك بالتنكُّر لدماء الشهداء، وهو ما طال الشاعرة “هالة محمد”
والتي نشرت ديواناً بعنوان “قالت لي الفراشات”، ولكن على ما يبدو كانت
لغة الإقصاء التي أدمنها مجتمعنا أقرب
إليها من همسات الفراشات!

وبالوقت ذاته لا يمكن أن
نبرّئ المؤسسات الثقافية العربية من الزج بسوريا في هذا المستنقع، فمن يتتبع
الدوريات العربية سيجد أن سوريا غائبة تماماً عن المشهد الثقافي، وأن حالة الخراب
التي تعم بلدنا سببُها تغييبُ المثقف وترك العنان للشهوات
القطيعية لتنفلت من عقالها!.

شاهد أيضاً

“مسرح البلد”.. إغلاق وبحث عن مكان جديد

تتعدّد الأسباب، لكن النتيجة واحدة؛ لا حماية تفرضها التشريعات للفضاءات الثقافية في معظم البلدان، حيث …

وضوء الدم!

ركعتان في العشق لا يكون وضوءهما إلا بالدم، تلك إحدى تجليات صوفي خلع الخرقة وترجل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ten + 4 =